الآباء الذين يفقدون أبناءهم في حادث أو بسبب مرض، يفكرون حتماً فيما كان بإمكانهم أن يقوموا به لمنع ذلك المصاب الجلل. وعندما قُتل ابني في شهر مايو الماضي، عن عمر يناهز السابعة والعشرين، وجدت نفسي أفكر في مسؤوليتي عن موته. ومن بين مئات الرسائل التي تلقيتها أنا وزوجتي كانت هناك رسالتان تتعلقان مباشرة بتلك المسألة، اعتبرتني كل واحدة منهما مذنباً، ورأت أن معارضتي العلنية للحرب قد وفرت الدعم والراحة للأعداء، وأن موت ولدي قد جاء كنتيجة مباشرة لكتاباتي المعارضة للحرب. وقد يبدو هذا اتهاماً قاسياً بالنسبة لأب يعاني مرارة الفقد، ولكن الاتهامات القاسية غدت للأسف الشديد سمة ثابتة في الخطاب السياسي الأميركي، وهي اتهامات يكررها من يحرصون على إطلاق يد بوش في الحرب على العراق. يقول أتباع هذا الخطاب إن معارضي الحرب بتشجيعهم لـ"الإرهابيين" يفاقمون من درجة الخطر التي تتعرض لها القوات الأميركية. وعلى رغم أن التعديل الأول للدستور الأميركي، يحمي منتقدي الحرب من المحاكمة بتهمة الخيانة، فإنه لا يقدم أية حماية للتهمة التي لا تكاد تكون أقل خطورة من تهمة التقصير في دعم القوات، وهي المعادل الحالي للتهمة المتعلقة بالإهمال في أداء الواجب في الوظائف المدنية. يقودنا هذا إلى سؤال حتمي: ما هو على وجه التحديد واجب الوالد عندما يتم إرسال ابنه إلى مكان خطر؟ من ضمن الإجابات العديدة التي يمكن تقديمها أن ابني يبذل قصارى جهده كي يكون جندياً جيداً... وكنت أنا في الوقت ذاته أبذل قصارى جهدي كي أكون مواطناً جيداً. باعتباري أميركياً، فإنني حاولت منذ 11/9 أن أروّج لنوع من التفكير الانتقادي للسياسة الخارجية الأميركية. وأنا أعرف أنه يوجد حتى الآن أناس من ذوي النوايا الطيبة، الذين يجدون الكثير من مواطن الإعجاب في استجابة بوش لما حدث في ذلك اليوم الرهيب، وهؤلاء لا يصرون فقط على أن قراره الخاص بخوض الحرب على العراق كان صحيحاً، ولكنهم يصرون أيضاً على أن الحرب المندلعة هناك لا زال من الممكن كسبها. وليس هذا فحسب بل إن أصحاب المدرسة الفكرية القائلة إن الزيادة في عدد القوات يمكن أن تؤدي إلى النجاح، يقولون أيضاً إنهم يرون بشائر النصر عبر الأفق. إنني أومن بأن هذه التصورات خاطئة تماماً، وأنه محكوم عليها بالفشل، وهو ما قلته في كتبي ومقالاتي وأحاديثي. قلت: "إن الحرب الطويلة هي حرب لا يمكن الفوز بها"، وفي أغسطس 2005 كتبت في صفحة الرأي بـ"واشنطن بوست" ما يلي: "إن الولايات المتحدة بحاجة لتصفية وجودها في العراق، من خلال وضع العبء على العراقيين فيما يتعلق بتقرير مصيرهم، وتوفير المجال للقوى الإقليمية للمساعدة في التوسط من أجل التوصل إلى تسوية سياسية... أما نحن فقد فعلنا كل ما نقدر على فعله". لم أتوقع للحظة واحدة أن يكون لجهودي تأثير على ما يحدث، غير أن الأمل كان يحدوني مع ذلك أن يتحد صوتي مع أصوات آخرين من المُدرسين والكتاب والأشخاص العاديين من أجل توعية الجمهور بحماقة النهج الذي كانت الأمة قد شرعت فيه. ولكن تبين لي بعد ذلك أن ما كنت آمل فيه كان وهماً من الأوهام. ويمكن القول في هذا السياق إن قرار بوش بإرسال المزيد من القوات إلى العراق، على رغم نتيجة انتخابات التجديد النصفي، والتي جعلت الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ لـ"الديمقراطيين"، تدل على تجاهل تام لما كان يشار إليه ذات يوم بـ"إرادة الشعب". والحق أن مسؤولية استمرار الحرب لغاية الآن لا تقع على عاتق "الديمقراطيين" الذين يسيطرون على مجلسي الكونجرس، بقدر ما تقع على عاتق الرئيس وحده. لقد قام أعضاء كبار من "الديمقراطيين"، كان من بينهم "إدوارد كنيدي" و"جون كيري" و"ستيفن لنش" بمواساتي، بل إن بعضهم حضر مراسم العزاء، وهو ما أدين لهم فيه بالشكر. ولكنني عندما تحدثت إليهم بشأن ضرورة وضع نهاية للحرب، فإنني لم ألقَ منهم الاهتمام الواجب. وحتى من تظاهر منهم بالاستماع لما كنت أقوله كان يرد عليَّ من خلال شرح ملتوٍ لكنه في جوهره يقول: لا تلقِ باللوم عليَّ، فلست المسؤول عن استمرار الحرب. والسؤال هنا هو: إذا لم يستمع إليَّ "إدوار كنيدي"، وهو السيناتور الممثل للولاية التي أنتمي إليها. وإذا لم يستمع إليَّ "كيري" و"لنش" فلمن يستمعون؟ إنهم يستمعون لنفس الأشخاص الذين يحتكرون أذن الرئيس وأذن "كارل روف"، أي الأغنياء والمؤسسات الكبيرة الغنية هي الأخرى. إن المال يشترى التقرب من مصادر السلطة كما يشتري النفوذ. والمال أيضاً هو الذي يقوم بتشحيم الآلية التي ستنتج لنا رئيساً عام 2008. أما عندما يتعلق الأمر بالعراق، فإن المال هو الذي يضمن أن اهتمامات المشروعات الكبرى، وشركات النفط العملاقة، والإنجيليين العدوانيين، وحلفاء الشرق الأوسط، هم من سيتم الاستماع إليهم، أما حياة الجنود الأميركيين، فهي تأتي في مرتبة دون ذلك. إن الخطباء الذين يلقون كلمات التأبين في جنائز الجنود يقولون إن حياة هؤلاء الجنود لا تقدر بمال، فلا تصدِّقوهم. فأنا نفسي أعرف مدى القيمة التي تضفيها الإدارة الأميركية على حياة الجنود: مجرد شيك تقل قيمته عن قيمة الشيك الذي يدفعه نادٍ كبير من أندية كرة القدم الأميركية لأحد اللاعبين المشاهير في مباراة واحدة. ابني عندما التحق بالجيش كان يقتفي خطواتي حيث سبق لي أن شاركت في حرب فيتنام. ولقد كان بيننا شبَه كبير في الحقيقة، وهو أننا كنا نتمتع بموهبة كبيرة في اختيار المشاركة في الحرب الخطأ في الوقت الخطأ. أعرف أن ولدي بذل قصارى جهده من أجل خدمة بلده. وعلى رغم معارضتي للحرب التي أعتقد إلى حد كبير أنها حرب مضللة، فإنني كنت أعتقد أنني أقوم بالشيء نفسه. بيد أن الحقيقة هي أنه في الوقت الذي كان هو يقدم فيه كل شيء، كنت أنا لا أفعل شيئاً، ومن هذه الناحية فإنني أعتبر أنني قد خذلته. أندرو باسيفيتش أستاذ التاريخ والعلاقات الدولية بجامعة بوسطن ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"