يمكن تفهم الشعور الذي قد يكون انتابكم أواخر الأسبوع الماضي إذا كنتم قد اعتقدتم أن مرحلة جديدة من "حرب النجوم" قد بدأت؛ فقد طغت الصور البيانية الحاسوبية لعصر الفضاء على الأخبار؛ فطافت الأقمار الاصطناعية حول كوكب الأرض، ونبضت المواقع المستهدفة على الخرائط التفاعلية لأوروبا والشرق الأوسط. ودار الحديث حول روسيا وإيران وما إن كانت أجهزة أنظمة الدفاع الصاروخي عالية التكنولوجيا تُعرِّض صحة الإنسان للخطر. أما الصور التي جاءت في أعقاب قمة مجموعة الثماني، فقد كانت لزعماء العالم: طائرة الهليكوبتر التي كانت تقل الرئيس الأميركي جورج بوش وهي تحط في منتجع بحري بولندي، وفلاديمير بوتين يخص وسائل إعلام بحوارات صحفية ("أنا ديمقراطي حقيقي"). على أي حال، كانت تلك الأخبار والأحاديث، وكانت تلك الصور، إذا حدث وكنتم تعيشون في أوروبا الوسطى. أما إذا حدث وكنتم تعيشون في بريطانيا أواخر الأسبوع الماضي، فلابد أنكم شاهدتم شيئاً مختلفاً؛ حيث ركزت تغطية محطة الـ"بي بي. سي" في اليوم نفسه بشكل كامل تقريباً بعد القمة على أخبار ... القارة الأفريقية. وهكذا، شمل الحديث مواضيع من قبيل أدوية الإيدز، وعلاج الملاريا، ومحاربة الفقر، ولا شيء حول أنظمة الدفاع الصاروخي. أما الصور، فقد كانت لنجوم موسيقى الروك مثل "بونو" و"بوب جيلدوف"، اللذين انتقدا بشدة زعماء العالم "البُغضاء" لفشلهم مرة أخرى في توفير ما يكفي من المساعدات "الخديعة". أما إذا كنتم تعيشون في ألمانيا، فإن الأخبار كانت مختلفة أيضاً. وحسب تركيز وسائل الإعلام الألمانية، يبدو أن الألمان يعتقدون أن زعماء العالم التقوا في المقام الأول من أجل مناقشة تغير المناخ. وفي هذا الإطار، انتخبت الصحافة الألمانية أنجيلا ميركل "ملكة جمال العالم" لأنها أقنعت على ما يبدو جورج بوش بـ"أن يبحث بشكل جدي فكرة" خفض انبعاث غازات الكربون في العالم إلى النصف بحلول عام 2050، وهو تصريح يعد، حسب المقاييس المنخفضة لمجموعة الثماني، بمثابة نصر كبير. أما الصور التي طغت على التغطية الإعلامية في ألمانيا، فقد كانت لذوبان الثلوج بطبيعة الحال. الواقع أنني قصدت المبالغة هنا لتوضيح فكرة: فالحقيقة أن الألمان أشاروا إلى أفريقيا ومشاكلها بالفعل بضع مرات؛ غير أنه ليس من المبالغة في شيء القول إن أحداث الأسبوع الماضي -والاختلاف الكبير في تركيز التغطيات الإخبارية الدولية التي رافقتها- تبرز تحولاً كبيراً حدث ببطء وهدوء على مدى السنوات القليلة الماضية؛ ولنسمِّه "مرحلة ما بعد مرحلة ما بعد الحادي عشر من سبتمبر"، أو هو ربما مجرد رجوع إلى الوضع الذي كان سائداً من قبل. وفي جميع الأحوال، فمن الواضح جداً أن الفترة الوجيزة من الإجماع العالمي -تلك السنوات القليلة التي كانت يعتقد خلالها جل دول العالم القوية أن أكبر مشاكل العالم هي الإرهاب الدولي- قد ولَّت اليوم. ونتيجة لذلك، يبدو أن الجميع مختلف مرة أخرى: فالبعض يعتقد أن أكبر مشكلة تواجه العالم هي تغير المناخ، والبعض يعتقد أنها الفقر في أفريقيا، والبعض يرى أنها الحاجة إلى درع صاروخي. في حين يعتقد آخرون أن كل ما سلف ذكره غير مهم ومُلح إذا ما قورن بالعراق. ومرة أخرى، يبدو الأميركيون مهتمين بمشكلاتهم الخاصة أكثر من اهتمامهم بمشكلات بقية مناطق العالم. فقد لاحظت أن الخبر الرئيسي بخصوص قمة الأسبوع الماضي في الولايات المتحدة كان خبر إصابة الرئيس بوش بألم في المعدة أجبره على التخلف عن حضور بعض من اجتماعات الصباح. وهكذا، شرد انتباه العالم عن الإرهاب الدولي -وكذلك فعل انتباهنا- إذا جاز لي القول. والواقع أنه ليس من الصعب تفسير ذلك؛ فقد مر الوقت أزيد من خمس سنوات. وعلاوة على ذلك، استأثرت حرب العراق بانتباه الإدارة الأميركية؛ في حين فشلت في كسب التعاطف أو التضامن في العالم. ثم إن إدارة بوش نفسها تبدو غارقة في الكثير من المشكلات، ما يعني أن أجندتها لا تؤخذ على محمل الجد في أي مكان، ولا حتى في الولايات المتحدة. ويثبت انقسام انتباه العالم مرة أخرى أن انتشار الإنترنت والتلفزيون في العالم لم ينتج شيئاً شبيهاً بحوار عالمي. بل على النقيض من ذلك، فـالـ"بي. بي. سي"، تسعى بقوة لخدمة مشاهديها ونيل رضاهم، وبالتالي، فهي تخبرهم بما يهمهم. والصحافة الألمانية تناضل من أجل قرائها، الذين يهمهم تغير المناخ في المقام الأول؛ وهكذا دواليك. والأمر لا يتعلق باختلاف الجمهور واختلاف الآراء التي يسمعها؛ ذلك أن الأحداث الإخبارية موضوع التغطية تختلف أيضاً. وعليه، فعلى رغم كل الحديث حول العولمة، فإن العالم مازال منقسماً إلى مناطق وأقاليم كما كان الحال دائماً. وعلى رغم الهجمات الإرهابية التي استهدفت بريطانيا وإسبانيا، فإن غياب هجوم آخر من حجم الهجوم الذي استهدف مركز التجارة العالمي، يعني أن انتباه العالم لم يعد مركزاً على المواضيع نفسها؛ وأن الحاجة إلى الوحدة الدولية قد قلت وتقلصت. ولا غرابة أن يستمر ذلك -على الأقل إلى المرة المقبلة أو قمة الثماني القادمة. آن آبلباوم ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتبة ومحللة سياسية أميركية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"