تمتلك كل من الأصولية والعولمة منظومة من الثوابت والمعتقدات والتعليمات التي لا تحيد عنها، لأن هذه المنظومة هي الأساس المتين بالنسبة لكل طرف في بناء قواعده وقواه التي يعتمد عليها في حربه على "الآخر". ففي حين نجد الأصولية متمسكة بمجموعة من المعتقدات المبسطة التي لا تقبل سوى الإيمان الأعمى بها، نجد العولمة تتمسك بإعلام اقتصاد السوق الذي يقوم بالترويج لتعاليم العولمة والسوق المفتوحة والتنافس الحُر غير المحدود في سبيل ربح سريع وبأي وسيلة ممكنة مثل الخصخصة وما يدعوه التكيف البنيوي مع تحويل الاقتصادات الوطنية لصالح اقتصاد السوق ودولة الحد الأدنى. وفي هذا الإطار نرى أن كلتا الثقافتين تريد إنساناً مستسلماً بلا عقل ولا إرادة، تريده مؤمناً بمعتقداتها ومطيعاً لأوامرها ومنساقاً في سياقاتها، والغريب أن كلا منهما يطرح فكرة أو عقيدة أنه "من ليس معنا فهو ضدنا"، وبالتالي يجري تكفير من لا يسير في ركب الأصولية وتحليل ذبحه وسفك دمه، وفي المقابل فإن أصحاب اقتصاد السوق وتعاليم العولمة يتهمون كل من لا يسير في سياقهم بالجهل والتخلف واللاديمقراطية، ويفتحون عليه نيراناً أشد من نيران الأصولية. نحن إذن أمام أصوليتين متصارعتين، والوقود هو نحن ذاتنا، على رغم أننا نرفض كلتا الأصوليتين رفضاً قاطعاً. وحتى لا نظل في الإطار العام لثقافة كلا الطرفين، نقف اليوم على موقف كل منهما من المرأة، وسلوكه تجاهها، ففي هذا الموقف والسلوك تتجلى جذور "الظلامية" التي يمثلها كل من الأصوليتين، وإن اختلفت "ظلامية" الأصوليين عن "ظلامية" العولمة في بعض الجوانب، فهي تتفق في الكثير منها، بل في الأساس الذي يحكم الموقف من المرأة. ابتداء نعتقد أن ثمة استعباداً للمرأة في كلتا الثقافتين، وهو استعباد ينطلق من تركيز كل منهما على جسد المرأة، أي من حيث كونها جسداً فقط، لا روح ولا عقل لها، وبالتالي فهي أداة طيّعة في اليد يجب استغلالها وتوجيهها حسب حاجات "السيد"، والسيد هنا قد يكون "سي السيد" الذي نعرف صورته في المسلسلات المصرية، وقد يكون صاحب شركة عابرة للقارات. الظلامية الأصولية تخاف من عقل المرأة فتحاول حجبه وراء ستائر وحجابات ونقت وجدران تمنعها من المشاركة، بحجة أن دورها هو في البيت للولادة والتنشئة والطبخ، أما الدور خارج البيت فهو للرجل المفكر والمقاتل. بينما تجد الظلامية الأخرى جسد المرأة "سلعة" يمكن أن تدر أرباحاً طائلة، فتقوم بتقديمها في برامج تلفزيونية وإعلانية فاضحة تجذب أنظار المستهلكين وتقدم صورة عن الواقع غير حقيقية، صورة خادعة ببريقها وبريق الأجساد التي يجري استغلالها، ما يجعل المستهلك (الذكر تحديداً) يربط تلقائياً بين السلعة والجسد الباذخ الذي يعلن عنها. وفي مجتمعاتنا العربية، وعلى رغم كل ما يقال عن تمكين المرأة، وكل ما يعقد من مؤتمرات وندوات، وما يتخذ من توصيات وقرارات، وعلى رغم كل ما نراه من مظاهر الانفتاح الشكلي، فما تزال العقلية التقليدية هي السائدة. وتسهم المرأة بالتأكيد في رسوخ هذه العقلية وبقائها على حالها، حيث قلة من النساء من يحاولن الخروج على هذا الوضع وتحدي السائد وتحقيق ذواتهن واستقلاليتهن، فيما ترضخ الأكثرية للأمر الواقع. لنأخذ مجتمعاً مثل المجتمع الإماراتي -والخليجي عموماً- فماذا سنجد؟ سنجد في دبي مثلاً مدينة كوزموبوليتانية منفتحة لكل جنسيات العالم وثقافاتها، سنجد خليطاً كونياً "أممياً" من القيم والعادات والأخلاقيات والسلوكيات. فما الذي يقدمه مثل هذا المجتمع للمرأة الإماراتية؟ لا شيء تقريباً، أو القليل جداً. وفي الكثير من الحالات فهو يخلق لديها صراعاً ذاتياً بين القيم والعادات الأصيلة وبين مظاهر الحداثة والانفتاح، وربما يسهم في تمزقات في شخصيتها وهويتها. نقول ذلك ونحن نتابع الصراع المحتدم بين العالمين من الظلامية، ومحاولة كل منهما جذب "الجماهير" إلى ساحته، بينما نحن نقف شبه متفرجين، ليس لدينا سلاحنا الذي ندفع به شر أي من الطرفين، فنسقط ضحية أحدهما أو كليهما، أو نضيع بينهما. في هذا المجال من التوقف أمام بعض الأفكار الأساسية والضرورية لإيجاد بعض الحلول. فعند الحديث عن تمكين المرأة، يجب أن نراعي موضوع التنشئة الاجتماعية والتعليمية لأطفالنا، سواء على مستوى الأسرة أو المؤسسة التربوية والتعليمية، وفي هذه المؤسسة تجب مراعاة عدم التمييز على أساس الجنس، وذلك على مستوى المنهج التعليمي كما على مستوى السلوك التربوي كذلك. هذا أولاً، وثانياً علينا أن نتنبه إلى أن التمكين ينبغي ألا يقتصر على المدن والمراكز الكبرى، بل يجب أن يطال المناطق النائية التي تعاني من الإهمال الشديد، حيث يغيب التعليم عموماً وتعليم الفتيات خصوصاً. ولهذا لابد من منح فرص متساوية للجميع، ذكوراً وإناثاً، مدناً وقرى وبادية على حد سواء. مع التركيز على عناصر الهوية الوطنية والقومية التي تندثر شيئاً فشيئاً.