يزخر عالمنا المعاصر بعديد من المواجهات العنيفة التي تأخذ شكل الصراعات المسلحة. وهذه المواجهات تدور بين دول ودول، مثل المواجهة بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية، أو بين دول وحركات مقاومة، أبرزها بين القوات المسلحة الأميركية التي غزت العراق وحركة المقاومة العراقية. ولعل المواجهة بين حركة المقاومة الفلسطينية سواء اتخذت شكل "فتح" أو "حماس" والدولة الإسرائيلية العنصرية، تعد أكثر المواجهات امتداداً في التاريخ، لأنها قاربت على نصف قرن بالتمام والكمال. والمتابع للخطاب العربي المعاصر الذي تتبناه حركات سياسية وتيارات إيديولوجية متعددة يلحظ خلطاً شديداً بين العمليات الأساسية التي تتضمنها الصراعات بين الدول، أو بين الدول وحركات المقاومة، وهي المواجهة والمقاومة والتسوية السياسية، وأخيراً التعايش. ومبعث الخلط أن بعض التيارات السياسية والإيديولوجية المتطرفة ترى أن في إحدى العمليات بالضرورة نفياً لعمليات أخرى. فالحركات التي ترفع شعار المقاومة تدعي أنها لا يمكن أن تدخل في أفق التسوية السياسية مع العدو، وكأن المقاومة يمكن أن تستمر إلى الأبد حتى تحقيق النصر النهائي على العدو بدون أي تفاوض. وهنا زعم باطل لا تؤيده خبرات التاريخ الحديث والمعاصر. ولذلك فحين ترفع حركة "حماس" شعار المقاومة وترفض التفاوض مع إسرائيل على أساس أنها لا تقبل الاعتراف بها، فإن ذلك يعرض مصالح الشعب الفلسطيني للخطر. لأن الشعوب في حركات التحرر الوطني كانت تقاوم وتفاوض في نفس الوقت. انظر إلى حالة فيتنام في صراعها مع الولايات المتحدة الأميركية، أو إلى تجربة جبهة التحرير الجزائرية مع فرنسا. ووصل الشطط في بعض أنماط الخطاب العربي المعاصر إلى اعتبار التسوية السياسية التي تحقق الأهداف الوطنية والقومية مع إسرائيل خيانة عظمى! تراجع بهذا الصدد المعركة الكبرى التي دارت بين مصر وباقي الدول العربية بعد توقيع مصر لاتفاقية كامب دافيد وإبرام المعاهدة المصرية- الإسرائيلية، التي ترتب عليها انسحاب إسرائيل من كامل التراب الوطني المصري مقابل تطبيع العلاقات. وهو نوع من أنواع التعايش، والتي هي الحالة السوية بين الدول والشعوب، حين تنتهي الصراعات المسلحة. وفي سبيل طرح المشكلات التي تثيرها العمليات الأربع الأساسية وهي المواجهة والمقاومة والتسوية السياسية والتعايش، بدأنا بتحليل ظاهرة التطرف الإيديولوجي سواء لدى بعض الدول مثل إسرائيل، أو عند بعض حركات المقاومة مثل "حماس". وأثرنا موضوع الواقعية الاستراتيجية، ونعني بذلك قدرة كل طرف من أطراف الصراع على التقدير الموضوعي لقوته بالمعنى الشامل للكلمة، بحيث لا يعلي من شأن الذات ولا يهوّن من قدر الآخر. وقد فعلت إسرائيل ذلك في حربها ضد "حزب الله" التي هزمت فيها هزيمة منكرة، لأنها بالغت في تقدير قوتها العسكرية، في نفس الوقت الذي هوّنت فيه من قوة "حزب الله"، الذي ظنت وهماً أنها يمكن أن تقضي عليه في أيام معدودة! ونفس المسلك الخاطئ اتبعته قوات "التحالف" بقيادة الولايات المتحدة الأميركية في غزوها للعراق، وتقليلها من أهمية المقاومة. بل إنها في البداية أنكرت إمكان قيامها أصلاً على أساس الوهم الأميركي الساذج الذي ذهب إلى أن الشعب العراقي سيقابل جنود قوات الاحتلال بالورود باعتبارهم محررين لا غزاة! غير أن تحليل ظاهرة التطرف الإيديولوجي قادنا إلى التعمق في ظاهرة هيمنة الولايات المتحدة الأميركية المُطلقة على العالم، والتي تستند إلى أوهام "المحافظين الجدد"، والتي ترى حق أميركا في حكم العالم بإرادتها المنفردة إلى الأبد! وتلك في الواقع أقبح صور التطرف الإيديولوجي التي شهدها التاريخ الحديث والمعاصر! غير أن الواقعية في مجال تسوية الصراعات سواء بين دول ودول أو بين دول وحركات مقاومة، تقتضي أولاً تغييراً جوهرياً في الثقافة الاستراتيجية. والثقافة الاستراتيجية مفهوم حديث بدأ استخدامه في تحليل العلاقات الدولية منذ عقود قليلة. وهو يثير قضية أساسية، وهي أهمية الثقافة السائدة في صياغة سياسات الأمن القومي. وتثير الثقافة الاستراتيجية موضوعات بالغة الأهمية أبرزها التساؤل عن مدى ثبات الثقافة الاستراتيجية عبر الزمن، وإمكان تحولها في مجال تبدل الاتجاهات إزاء العدو، بما يؤدي إلى تبني مواقف جديدة. وذلك مثل الانتقال من ثقافة المواجهة الدائمة والتهديد بالحرب، إلى ثقافة التعايش السلمي، كما حدث في العلاقة بين مصر وإسرائيل بعد إبرام اتفاقية "كامب ديفيد" والمعاهدة المصرية- الإسرائيلية. وتساؤل آخر هو: ما مدى عمومية الثقافة الاستراتيجية؟ بعبارة أخرى، هل يمكن صياغة ثقافة استراتيجية تقوم على التعايش السلمي بين الدول، وتلتزم بها كافة الشعوب المعاصرة؟ ويرتبط بمفهوم الثقافة الاستراتيجية تقدير مصادر التهديد التي تحس بها دولة من الدول. ونحن نعرف أن سياسة الأمن القومي في أي بلد في العالم تقوم أساساً على تقدير مصادر التهديد الموجهة له وكيفية مواجهتها. وهكذا يمكن القول إن الأمن القومي العربي ظل لعقود طويلة إلى ما قبل اتفاقيات كامب ديفيد يعتبر أن إسرائيل هي مصدر التهديد الأول. غير أن هذا الإجماع العربي على مفهوم تحديد مصدر التهديد الرئيسي وهو إسرائيل، تحطم في الواقع في لحظتين تاريخيتين فارقتين. اللحظة الأولى حين حدث تغير جوهري في الثقافة الاستراتيجية المصرية أدى إلى قبول النخبة السياسية الحاكمة في عصر الرئيس السادات بفكرة إمكانية التعايش السلمي مع إسرائيل، وبالتالي عدم اعتبارها مصدر التهديد الرئيسي للأمن القومي المصري في ضوء إبرام المعاهدة المصرية- الإسرائيلية. واللحظة التاريخية الفارقة الثانية هي غزو العراق بقيادة الرئيس السابق صدام حسين للكويت. فقد أدى ذلك بالضرورة إلى سقوط المفهوم التقليدي للأمن القومي العربي، الذي كان يرى أن إسرائيل هي مصدر التهديد الحقيقي، بحيث أصبح العراق وهو دولة عربية وقّعت على اتفاقية الدفاع العربي المشترك، هو مصدر التهديد الرئيسي لدول الخليج العربي قاطبة، وذلك بعد غزوه للكويت واعتباره إياها إحدى "المحافظات" المُلحقة بدولة أخرى هي العراق! وفي تقديرنا أن مفهوم الثقافة الاستراتيجية وتحولاتها يحتاج إلى دراسات متعمقة، لأن تطبيقاته بالغة الأهمية في فهم أنماط الصراع وطرق التعايش بين الدول. ولننظر إلى الصراع العنيف الراهن بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية حول نشر شبكة الصواريخ الأميركية على حدود روسيا. الواقع أن روسيا غيرت من ثقافتها الاستراتيجية ولم تعد تعتبر الولايات المتحدة الأميركية هي مصدر التهديد الرئيسي، إلا أن أميركا تحت تأثير نزعة الهيمنة المُطلقة مازالت ثقافتها الاستراتيجية تتسم بالجمود وتستعصي على التغير!