في تعقيبنا على ردود الأفعال التي خلّفتها انتقادات مريم الرومي، وزيرة الشؤون الاجتماعية، لرجال المال والأعمال بسبب تقصيرهم الواضح في الإسهام بدور فاعل في مواجهة تداعيات إعصار "جونو"، خلصنا في حلقة الأمس، إلى أنه في ظل ما تشهده الساحة الاقتصادية المحلية من ازدهار وتحرّر وانفتاح، يتوقع أن تشهد المرحلة المقبلة مزيداً من النشاط في بيئة العمل المحلية، ما يعني مزيداً من الثروات الخاصة ومزيداً من الاتساع في طبقة الأثرياء، لكن في الوقت نفسه ستستمر الفوارق بين الأغنياء والفقراء في الاتساع، مما يحتّم ضرورة إعطاء أولوية قصوى لتفعيل وتنظيم دور الأثرياء في تنمية المجتمع، في وقت بدأت فيه الدولة تنسحب تدريجياً من قطاعات رئيسية تخدم المجتمع إثر برامج الخصخصة والإصلاح الاقتصادي التي بدأت عجلتها تدور ببطء، وفي وقت بدأت فيه الفوارق بين الأغنياء والفقراء تتسع بوتيرة متسارعة أكثر من أي وقت مضى، ما يتطلّب من الأثرياء ورجال الأعمال الارتقاء إلى مستوى المسؤولية التي تفرضها عليهم هذه الظروف والمتغيرات التي يحققون من خلالها مكاسب كثيرة. هؤلاء الأثرياء إن قُدّر لهم أن يعملوا في دول أخرى لاستقطعت حكومات هذه الدول شطراً كبيراً من ثرواتهم على شكل ضرائب، بمسميات مختلفة، وهذه ليست دعوة لفرض ضرائب على الدخل، وإنما مطالبة لأن يعي أصحاب الأموال مسؤوليتهم الاجتماعية والأخلاقية تجاه مجتمعهم ووطنهم الذي يقدم لهم الكثير، حيث إن المستويات العالية من الأرباح التي تحققها أعمالهم ومؤسساتهم لم تكن بسبب زيادة في كفاءتها، بقدر ما هي تحسن بيئة العمل الاقتصادي والاستثماري والتجاري، حيث يعود الفضل في ذلك للدولة، في المقام الأول. وهكذا يستفيد رجال الأعمال من عوامل خارجية في تعظيم أرباحهم وزيادة ثرواتهم والبلوغ بها إلى هذه المستويات القياسية، دون أن يكون لهم دور واضح ومؤثر في خدمة أهداف المجتمع، الذي لا يزال يتطلب الكثير في كل المجالات، رغم جهود الدولة. وعلى الرغم من كل ما تمت الإشارة إليه من أوجه التقصير الاجتماعي لرجال المال والأعمال، فإن ذلك لا ينفي بالطبع وجود قلة قليلة من النماذج الفردية لرجال الأعمال الذين أدركوا أهمية الدور الاجتماعي وأسهموا بفاعلية في العديد من المشروعات الاجتماعية الناجحة، بل إن بعضهم حاول إضفاء قدر من المؤسسية على أعمالهم في خدمة المجتمع، وممارسة مسؤولياتهم الاجتماعية بشكل أكثر تنظيماً وبفاعلية أكبر، في ظل غياب رؤية حكومية أو شبه حكومية واضحة تنظم وتقنّن جهود العمل الاجتماعي بالدولة. بل والأغرب من ذلك، فإن حالات كثيرة في السابق شهدت تدافع وتنافس رجال الأعمال للتبرع بمبالغ طائلة لدرء آثار العديد من الكوارث التي ضربت دولاً ومناطق في شتى بقاع العالم، ولكن عندما توافرت الآليات الصحيحة والمتكاملة لشحذ الهمم في هذا الاتجاه، خاصة من قبل وسائل الإعلام التي أتاحت من خلال تلك الأحداث فرصة لرجال الأعمال للترويج لما يقدمونه اجتماعياً، والأهم من ذلك وجود رؤية واضحة لبلورة وتنظيم هذا العمل، والتي هي من صميم واجبات الجهات الحكومية وشبه الحكومية المعنية ووسائل الإعلام. إن الأطراف المختلفة التي لا تزال تتبادل الاتهامات حول مسؤولية التقصير في مواجهة تداعيات إعصار "جونو"، عليها أن تجلس لبلورة وصياغة رؤية واضحة للانطلاق بالعمل الاجتماعي والوطني للقطاع الخاص خلال المرحلة المقبلة. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية