منذ قرن، درس عالم الاجتماع الفرنسي إميل دوركهايم ظاهرة الضّياع والشعور بالغربة التي يعيشها الإنسان الحديث، فردّ أسبابها الرئيسّية إلى تدهور المعايير والموازين الضابطة للعلاقات الاجتماعية. إن ذلك ينطبق على الفرد وعلى الجماعات والمجتمعات أيضاً. في اعتقادي أنه قد ينطبق كذلك على الأشياء حين تعيش وجوداً عبثياً، ولنأخذ العوائد النفطية كمثال: 1- إن دخل الدول النفطية العربية، في المشرق والمغرب، من النفط والغاز الطبيعي، سيناهز ألف مليار (تريليون) دولار أميركي في عام 2007، إذا استمرت الأسعار بمستواها الحالـي. لكن هل تخضع استعمالات هذه الثروة العربية الهائلة، لمعايير وموازين تمنعها من دخول عالم الضّياع والإهدار؟ لقد كُتب الكثير عن هدر المال العربي، سواء في أسلحة لا تنفع وجيوش لا تحارب، أم في مضاربات عقارية وأسهم لا تلبث أن تنفجر كفقاعات، وفي اقتصاد غير إنتاجي، وتنمية غير مستدامة. وبالطبع فذلك لا ينفي وجود إنجازات كثيرة، لكنها إنجازات تحتاج أن تصعد إلى مستويات أعلى من الكيفية والفاعلية لتصبح ذات أثر راسخ في الحياة العربية وقادرة على الاستمرارية في المستقبل البعيد. 2- إن بعض الدول العربية النفطية، خاصة دول الخليج والعراق (بعد أن يتعافى) وليبيا، ستحتاج فوائضها المالية ليس فقط لاستثمارها بعقلانية في بناء تنمية وطنية شاملة ومستدامة، وإنما أيضاً لتكون مصدر مساعدة للآخرين، من العرب والمسلمين، المحتاجين. إن هذه الفوائض ستحافظ على روحها الإنسانية وفوائدها الأخلاقية عندما تقوم بهذه الوظيفة الثانية، وظيفة مساعدة الآخرين. فكما تزداد الغربة في المجتمعات التي يقلّ فيها التّضامن ويضعف التعاضد، كذلك تزداد غربة المال الذي لا يؤدّي مهمات ذلك التعاون والتضامن والمساعدة. 3- ومن الملاحظة السابقة، تأتي محورية القرار الذي اتخذه الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم بإنشاء صندوق حجمه 10 مليارات دولار لتنمية الطاقات المعرفية والبحثية في الأقطار العربية كُلها. فهذه الوقفية هي مثال لبناء أحد المعايير المعقولة لاستعمالات الفوائض العربية كي تبتعد عن غربتها الحالية، وهي إن عادت بربحية تصل 10%، فذلك سيعني توفر مليار دولار سنوياً لحقلي التعليم والبحوث. ولو استطاعت بلدان الفوائض المالية، أن تتعاون فيما بينها لتجعل هذا الصندوق مؤسسة مشتركة وترفع رأسماله، ولو عبر بضع سنوات، إلى 100 مليار دولار، وتجعله مؤسسة مستقلة غير حكومية، وتسمح بإدارته على نحو كفؤ وموضوعي وعادل، فستقفز قفزة نوعية في استعمالات المال النفطي خلال ما تبقّى من عمر الحقبة النفطية. ومن الممكن البدء بالتفكير في صناديق تتوجه إلى حقول أخرى مثل مساندة الفقراء للوقوف على أرجلهم، وللنهوض بالاقتصاد في دول عربية أخرى، على أن تكون معايير ذلك هي الاستقلالية والصرامة. 4- في قلب اغتراب وضياع الإنسان والمجتمعات تكمن حالات غياب المعاني وتشوه أو فقدان المعايير وضعف الانتماء وهيمنة الأنانية... والتي تؤدِّي كلها إلى حالات العجز وقلة الحيلة عند تلك المجتمعات وعند أفرادها. وعليه فعلى حكومات دول الفوائض المالية، أن تساهم في الاستجابة للأولويّات التي تؤدي إلى التضامن والتعاضد مع محيط بلدانها العربي والإسلامي، ومع المهمّشين داخل مجتمعاتها المحليّة. إن قضية شعور الإنسان بالغربة والضياع، قضية اجتماعية اقتصادية، تتأثر كثيراً بكيفية التعامل مع الثروة والمال.