في نهاية مسلسل "أرابسك" للكاتب أسامة أنور عكاشة يصاب بطل الرواية حسن النعماني (إن لم تخني الذاكرة) بلوثة جنون وينطلق مهرولاً بين الناس وهو يطلق سؤال الهوية: من نحن؟ يومها استغربت أن يطرح هذا السؤال علينا نحن المشاهدين العرب، وكأننا نزلنا من المريخ لتوِّنا ولا نعرف من نحن؟ وقلت في لقاء لي مع بعض مبدعي العمل، يمكن أن يطرح إسرائيلي سؤال الهوية، ولاسيما إذا كان علمانياً ولا يؤمن باليهودية وهي القومية الوحيدة التي تجمع الإسرائيليين، وجلهم يحمل في داخله هوية أخرى هي القومية العرقية أو الثقافية التي ينتسب إليها بالولادة والانتماء العرقي أو اللغوي، وحسب القارئ أن يذكر على سبيل المثال أن بن غوريون وشامير وبيريز بولنديون، وغولدا مائير أوكرانية ومناحيم بيغن روسي، وما أظن أحداً من هؤلاء القادة المؤسسين لإسرائيل، يزعم أن له جداً عاش في فلسطين حتى قبل ثلاثة آلاف سنة. أما نحن العرب فيبدو عجيباً أن يطرح أحدنا سؤال الهوية علينا، ونحن أبناء هذه الأرض التي عاش فيها أجدادنا العرب منذ آلاف السنين، وإن أنكر منكر أحلناه إلى التاريخ ليقرأ عن العرب الكنعانيين الذين عاشوا في شبه الجزيرة العربية وسواحل الخليج (العربي) وهم آموريون، ولغتهم الكنعانية (عربية) وكلمة (كنع) تعني الأرض المنخفضة، وحضارتهم الفينيقية حضارة عربية، لأنهم نزحوا كما تؤكد كل المراجع من الشواطئ الشرقية للخليج العربي (ومن البحرين بخاصة) إلى سواحل المتوسط، وقد قدمت اكتشافات أثرية في مقبرة في البحرين دلائل على هذا التاريخ. وقد امتدت هجرات العرب الساميين من بلاد الشام إلى بلاد الرافدين ثم إلى الشمال العربي الإفريقي (وهذه تسميات حديثة طرأ عليها التطور اللغوي المعروف للغة العربية)، وقد امتدت حضارة الفينيقيين إلى الشاطئ الأوروبي المقابل. وكنت قد تحدثت قبل شهور في محاضرة في مدينة المونيكار (المنكب) في الأندلس أمام علماء مؤرخين أسبان في احتفالية أقمناها تحية لذكرى عبدالرحمن الداخل، وقلت (إن عبدالرحمن ليس أول عربي سوري يدخل إلى المونيكار، فالمؤرخون يعلمون أن أجدادنا العرب الكنعانيين الفينيقيين هم الذين بنوا هذه المدينة كما بنوا قرطاج على الشاطئ العربي الأفريقي)، وذكرت أن "أليسار" الفينيقية العربية، جاءت من سوريا إلى تونس، وفي عهدها كان شعب قرطاج يعبد "الإله" (بعل) وهو "إلهة" عربية شهيرة. ولا أريد أن أغرق في حديث التاريخ هنا، فحسبي من هذه الإشارة العابرة أن أطمئن الصديق أسامة أنور عكاشة وقد عاد إلى طرح سؤال الهوية ومراجعة انتماء مصر إلى العروبة، إلى كوننا أمة عربية عريقة قبل أن يظهر الإسلام، ولم تكن هذه الأمة مجرد قبائل تتقاتل أو تعيش على الغزو فيما بينها كما هو شائع، فهذا جانب بسيط من حياتها، وقد حفظه التاريخ الأدبي، لأسباب سياسية وإعلامية، ولبيان فضل الإسلام على العرب، ولكن لا يغيب عن بال أحد أن كلمة جاهلية لا تعني الجهل. وحسبنا أن نذكر قول الرسول عليه الصلاة والسلام (إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق) شهادة بما كان لدى العرب القدامى من قيم ومثل سامية، تألقت في ممالك عربية شهيرة مثل مملكة كندة التي قدمت الشعر نموذجاً من ثقافتها. وسيكون وهماً أن نصدق أن شاعرها امرأ القيس، كان أول شعراء العرب، وأن معلقته الشهيرة هي أول قصيدة في الشعر العربي، فهو أول من حُفظت له وثيقة شعرية معلقة، ولكن سوية شعره الفنية العالية تؤكد أنه سليل حضارة عريقة، هي الحضارة العربية التي شكلت البيئة التي حفظت الحنيفية دين إبراهيم عليه السلام، ثم حفظت المسيحية، التي أقامت ممالك عربية شهيرة كان منها مملكة الغساسنة ومملكة المناذرة. وقد كان دير أبان جامعة ثقافية مهمة تَخرّج منها مبدعون كبار أمثال المرقش الأكبر. والحديث يطول عن تاريخ الحضارة العربية قبل الإسلام، وهو يؤكد أن الانتماء إليها ليس وهماً وليس (درْوشة قومية) كما ظن الواهمون، فإن أراد أحد أن يتخلى عن شرف الانتماء إلى العروبة، فلن يجبره أحد على التمسك به، ولابد هنا من التأكيد على أن الانتماء إلى العروبة هو انتماء ثقافي محض، لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم (ليست العربية لأحد منكم بأب ولا أم، وإنما هي اللسان) وقد كان من كبار الصحابة الأجلاء صهيب الرومي وبلال الحبشي وسلمان الفارسي، وقد صاروا عرباً بالانتماء الثقافي. وكل ما جاء في القرآن الكريم من ذكر لعروبة القرآن الكريم إنما جاء وصفاً للسان ولم يأتِ وصفاً للقوم المخاطبين، لأن القرآن الكريم مرسل للناس كافة، والمقصود باللسان هو الفكر والثقافة، وما دامت مصر (والموضوع مثار فيها) تجتمع مع بقية العرب في هذا اللسان، أي الفكر والثقافة، فحسب اللسان أن يكون الرابط القومي، الذي يشكل الوجدان المشترك بين العرب، وأن يحقق الإرادة في الانتماء، ولن يسأل أحد عن الأعراق والأنساب. إن المراجعة المطلوبة من المثقفين العرب المصريين هي ما فعله كُتاب كبار رفضوا هذه الدعوات التي أطلقت منذ بدايات القرن العشرين، وكانت الاستجابة لها مزيداً من التعلق بعروبة مصر أكدته ثورة يوليو التي استجابت لدعوة القومية العربية الناشطة في سوريا إلى إقامة الوحدة عام 1958، ولم تكن الوحدة السورية- المصرية في منتصف القرن العشرين أول وحدة بين البلدين، ففي كل فترات القوة العربية كانت الوحدة بين سوريا ومصر، هي السر في الانتصار، وهذا ما أدركه صلاح الدين الأيوبي كي يحقق نصر حطين عام 1187م، وما أدركه الظاهر بيبرس، كي يحقق نصر عين جالوت عام 1260م، وقد بنى كل منهما دولة عظيمة الشأن من خلال وحدة سوريا ومصر. و لا أريد أن يفهم أحد أنني أحلم على طريقة الدراويش (حسب التعبير الذي استخدم) بعودة الوحدة بين سوريا ومصر، ولكنني أريد أن أؤكد على أن الوحدة قائمة بين أقطار الأمة كلها على الصعيد الثقافي والفكري والوجداني، وغائبة عن الصعيد السياسي والاقتصادي فقط، لأسباب لا تخفى على أحد. وليس بوسع أحد أن ينكر أن الشعب العربي من الخليج إلى المحيط، هو شعب واحد في لغته وثقافته ووجدانه، ومن يتابع الفضائيات العربية ويسمع أحاديث الأسرة العربية الكبيرة، يدرك أن همها واحد وهدفها واحد، ولست من المتشائمين، على رغم ما أشعر به من أسى لما أصاب الأمة من ضعف وهوان، فحسبها أنها الأمة الوحيدة في العالم التي تتصدى للغزاة، وتقدم البطولات في مقاومتها الشجاعة للعدوان في فلسطين والعراق ولبنان. وحسبها أن التحالفات الدولية ضدها بكل ما تملكه من قوة عسكرية غير مسبوقة في التاريخ، تعجز عن إخضاع أبناء هذا الشعب العربي المقاوم. وقد خابت كل الدعوات التي تريد تمزيق هذه الأمة إلى شيع وطوائف وأعراق وقوميات. ولا يغيب عن بال أحد أن هذه الأمة التي حكمها المغول والأتراك والمماليك والصليبيون ثم عادت إليها أوروبا بكل ثقلها النوعي العسكري في مطلع القرن العشرين لتخضعها وتمحو عروبتها وإسلامها قد ازدادت تمسكاً بانتمائها (ومثال الجزائر قريب في التاريخ الحديث). وها هي ذي الصهيونية تعيش أزمتها الوجودية التاريخية، التي لا تجد منها مخرجاً غير الحروب التي لا تحقق غير القتل والتدمير، وتخفق في تحقيق أهدافها في إنشاء شرق أوسط كبير بلا هوية تسيطر عليه، على رغم كل ما تلقى من دعم غير محدود من دول عظمى في أوروبا ومن أميركا. وأرجو من صديقنا الكاتب أسامة الذي نعتز بموهبته الدرامية أن يراجع ما قال، لأننا لا نريد أن تخسره أمتنا العربية، ولا أن يخسر شرف الانتماء إليها، وما الذي يمنعه من أن يجمع الحسنيين: الوطنية المصرية والقومية العربية معاً؟