تنمو الجاليات مثل أي كيان آخر مع النجاح وتنكمش مع الفشل. فكلما شعر الناس أن جالياتهم تزدهر يزهون بها ويتجمعون حولها ويمنحونها ثقتهم ويقبلون منها ما لا يقبلونه من هيئات فاشلة, فاذا بها تتحول من كيانات صغيرة إلى كائنات عملاقة تملأ السمع والبصر. ويرتهن النجاح في تشكيل جاليات أو جماعات هوية في بلاد الهجرة الحديثة بتبني استراتيجيات فعالة. بعض هذه الاستراتيجيات تنشأ تلقائياً كانعكاس لتطور الأمم التي جاءت منها هذه الهجرات الكبيرة. ويظهر هذا المعنى بوضوح أن تتبعنا جانباً واحداً من قضية الاستراتيجية. نتحدث هنا عن طريقة بناء موارد وأصول الجاليات. فمثلاً انتهجت الجالية الهندية طريقة التركيز على بعض فروع المعرفة والتكنولوجيا الحديثة في الولايات المتحدة وخاصة الهندسة الوراثية والمعلوماتية. إذ يكاد الهنود الأميركيون يسيطرون على صناعة البرامج اللينة ويشغلون نسبة عالية من العلماء المشتغلين بعلوم الأحياء وتكنولوجيا الصيدلة والهندسة الوراثية. ويمنحهم هذا التركيز أهمية كبيرة في الولايات المتحدة وكندا. أما الكوريون فقد تركزوا في علوم الإحصاء والرياضيات ويكادون يسيطرون سيطرة كاملة عليها في أميركا الشمالية بل وربما عالمياً. الصينيون من جانبهم ركزوا بحكم الأعداد الكبيرة من بسطاء المهاجرين على التجارة الصغيرة والمطاعم. ولكن أهم ما يميزهم هو الانضباط الحديدي. وبوسع السلطات الأميركية أن تعتمد على القيادات المهمة في الجاليات الصينية على مستوى الولايات أو المقاطعات الكبيرة لتسليم أي مشتبه به في جريمة ما من بين عناصر الجالية الصينية. كما تضمن السلطات في أي مقاطعة تطبيق أي اتفاق تعقده مع قيادات الجالية الصينية، وهو ما يريح هذه السلطات ويجعلها تعتمد أكثر فأكثر على هذه القيادات، الأمر الذي مكّن الجالية ككل من تسجيل نجاحات كبيرة. أقل الجاليات نجاحاً في الولايات المتحدة هي الأفارقة الأميركيون. وهم يشكلون أكبر نسبة من المواطنين من غير الأصول الأوروبية. وهم كما هو معروف أقدم الجاليات غير الأوروبية أيضاً. ومع ذلك فهم أقل الجاليات إنجازاً وقدرة على بناء قوة ونفوذ حقيقي في الولايات المتحدة، حتى بعد أن حصلوا على المساواة القانونية بل وبعد أن حصلوا، إلى حد ما، على امتياز قانوني فيما يسمى بالقانون التوكيدي. فهم لا يشكلون نسبة يعتد بها أو تضاهي أهميتهم السكانية من أية مهنة باستثناء الغناء والرياضة. إن الاستراتيجية التي انتهجها الأفارقة الأميركيون هي التركيز على العمل السياسي مع بعض الاهتمام التقليدي بصناعة الرياضة والفنون. وتحقق للرياضيين والفنانين الأفارقة الأميركيين نجاح كبير، لكنه منسوب في نهاية المطاف إلى أفراد، كما أنهم لا يسيطرون على الصناعة وعلى القرار والاستثمار الكبير في هذه الفروع. بل هم ينشطون فيها بصفتهم "عمالاً" يخضعون لسيطرة الرأسمالية البيضاء. أما التركيز على العمل السياسي فقد جلب لهم مناصب مهمة من خلال الانتخابات العامة وخاصة مناصب العمد في بعض المدن. لكن هذا النجاح السياسي النسبي، لم يقد الأفارقة الأميركيين إلى تكوين جالية قوية ولها نفوذ حقيقي في نسيج المجتمع. أكثر الجاليات نجاحاً في الولايات المتحدة هي من دون شك الجالية اليهودية. ومن الصعب أن ننسب نجاحها إلى عامل واحد. ساهم عنصر الزمن، باعتبارها جالية قديمة، في نجاحها بعد أكثر من مئتي عام من النشاط الزاخر وسجل الأداء المتميز في كل المجالات تقريباً. ولا يكاد اليهود ينحصرون في نشاط واحد كما كان حال أغنيائهم في الماضي حين ركزوا على البنوك. فهم يتواجدون بأعداد كبيرة في الجامعات وخاصة في العلوم الطبيعية وأنشطة البحوث والتطوير التكنولوجى وفي المحاماة وفيما يسميه الأميركيون صناعة الترفيه وخاصة صناعة السينما والمسرح. ولهم دور بارز للغاية في الصناعات الثقافية بما في ذلك الصحافة المطبوعة والتلفاز والراديو والفرق الموسيقية الكبيرة..الخ. وكان لهذه الاستراتيجية دور كبير للغاية في تمكين الجالية اليهودية الأميركية من بناء نفوذ لا يضاهيه نفوذ آخر, غير أن الافتقار للتركيز يجعلهم معرضين أيضاً لنكسات محتملة ليست هينة. فمع استمرار تدفق المهاجرين من كل بقاع الدنيا ومع الانتشار النسبي للثروة وللمهارات العقلية، يبدأ هذا النفوذ في الاهتزاز في مناطق كثيرة. فالامتياز العلمي والتكنولوجي يتآكل. ويبدو ذلك منطقياً مع التخفف من حمولة الشعور بالضعف وذهنية الأقلية. فالامتياز بذاته يقود إلى تراجع التركيز على الامتياز في نمط التربية. ولم يعد اليهود يضمنون تفوقاً دراسياً تلقائياً كما كان الحال في الماضي. كما لم يعودوا بالضرورة أهم أو أكبر شريحة في طبقة المشتغلين بالعلم والبحث والمعرفة ولا في أي مجال آخر، كما يشيع الاعتقاد خاصة عندنا في العالم العربي. وتعاني الجالية العربية من نفس العيب. فالعرب منتشرون في عشرات المهن. ورغم أهميتهم في صناعات أو مهن معينة؛ مثل الهندسة والطب، فهم لا يشكلون نسبة يعتد بها من هذه المهن ذاتها. ولا يمكن أبداً مقارنة مكانة العرب في أي صناعة أو مجال أو مهنة داخل الولايات المتحدة بأهمية الهنود في صناعة المعلوماتية والهندسة الوراثية، أو بأهمية الكوريين في الإحصاء والرياضيات. ومن جانب آخر تعاني الجالية العربية في أميركا الشمالية عموماً من ضعف سياسي ملحوظ للغاية. ورغم بعض النجاحات التي أشرنا إليها في مقال الأسبوع الماضي، وخاصة من جانب منظمة مثل "مجلس العلاقات الأميركية الإسلامية"، فالعرب الأميركيون لا يزالون في بداية الطريق إلى مجرد تشكيل جالية بالمعنى القوي لهذا المصطلح. ويمكننا أن نستبعد منذ البداية تبني هذه الجالية للاستراتيجية المهنية. وإذ أن نجاح هذه الاستراتيجية يبدأ من تسطير الأمم الأصلية التي تحدرت منها الجالية لنجاحات كبيرة في مجال ما, بينما لم يحقق العرب في بلادهم الأم أية نجاحات في أي قطاع حديث، ربما باستثناء إدارة قطاع النفط. وقد يبشرنا هذا النجاح النسبي بالتركيز على صناعات الطاقة، والتي يرتبط بها مستقبل العالم. فإن وضعت الدول العربية يوماً ما استثمارات كبيرة في تكنولوجيا الطاقة الجديدة، قد نكون جماعات مهنية متفوقة في هذا المجال المهم. وحيث أن الجالية العربية، رغم نجاحها المهني بصورة عامة، لا تملك دوراً كبيراً ناهيك عن أن يكون مسيطراً على أي قطاع في أي بلد من بلاد الهجرة الحديثة، فلا يبقى أمامها سوى التركيز على الدور أو الاستراتيجية السياسية. والحد الأدنى الذي يجب أن تطمح إليه هذه الجالية هو أن تحقق نفوذاً سياسياً يضاهي أو يقترب من مضاهاة نسبتها العددية. والسؤال هو كيف تحقق الجاليات العربية هذا النفوذ؟ جوهر القضية هو استنباط استراتيجية فعالة؛ أي نمط السياسات الذي يمكّنها من الوصول إلى هذا الهدف.