ما زال الأداء السياسي الفلسطيني يدفع إلى القلق! فمحصلة أي صراع تتوقف على عوامل عدة من بينها، بل من أهمها، أداء طرفي هذا الصراع. صحيح أن ميزان القوى يعتبر العامل الأكثر تأثيراً. ولكن كم من صراعات تمكن فيها الطرف الأضعف وفق محددات ميزان القوى من تحقيق إنجازات كبيرة بسبب ارتفاع مستوى أدائه. والصراع الأميركي-الفيتنامي المشهور ليس مثالاً وحيداً في هذا المجال. ولذلك فقد أصبح سوء الأداء السياسي عاملاً مضافاً إلى عوامل الضعف التي يعاني منها الفلسطينيون في لحظة تبدو حاسمة بالنسبة إلى مستقبل الصراع التاريخي على فلسطين. وينطبق هذا على القيادة والسلطة الوطنية والحكومة كما على الفصائل والمنظمات المختلفة بأجنحتها السياسية والعسكرية على حد سواء.
فالمثير للانتباه، وللجزع في آن معاً، أن القياديين الفلسطينيين الذين تناولوا قرار شارون إخلاء 17 مستوطنة في قطاع غزة بالتعليق فاتهم السياق الذي جاء فيه. فهذا القرار يندرج في إطار خطة فك الارتباط مع الفلسطينيين من جانب واحد كما يسميها شارون، أو خطة فرض الأمر الواقع الجديد كما يراه ويخطط له بهدف تقويض إمكانات إقامة الدولة الفلسطينية المنشودة في الأراضي المحتلة عام 1967.
فالأمر الواقع الذي يريد شارون فرضه يعني القضاء علي أية فرصة لاستئناف العملية السلمية والعودة إلى مائدة المفاوضات، وبالتالي حرمان الفلسطينيين من أن تكون لهم أدنى كلمة في تقرير مستقبلهم. فلن يكون أمامهم إلا ما يقدمه لهم شارون الذي قرر أن يترك لهم قطاع غزة بكامله تحقيقاً لما عجز عنه كل من سبقوه منذ 1967، وهو التخلص من هذا القطاع الذي ندم الإسرائيليون على احتلاله حيث لم ينالوا منه إلا المشكلات. وكان رئيس الوزراء الإسرائيلي الراحل إسحق رابين هو الأكثر وضوحاً في التعبير عن ضجره من استمرار احتلال قطاع غزة، عندما قال إنه يتمنى أن يوقظه مساعدوه ذات ليلة لإبلاغه أن البحر ابتلع هذا القطاع الذي لا تتجاوز مساحته حوالى 6 في المئة من فلسطين التاريخية ويسيطر الفلسطينيون الآن على حوالى 80 في المئة منه بينما تحتل المستوطنات التي قرر شارون تفكيك معظمها نحو 20 في المئة ويعيش فيها 7781 مستوطناً لا غير. أما الضفة الغربية فالأمر فيها مختلف. فلن يترك شارون للفلسطينيين سوى أقل من نصف أرضها وهي تقريباً المناطق التي كانت السيطرة عليها قد نقلت إلى السلطة الفلسطينية كلياً (مناطق أ) أو جزئياً (مناطق ب) في إطار اتفاق أوسلو قبل أن تجتاحها القوات الإسرائيلية في أبريل 2003 وتعيد احتلالها.
ويعني هذا أن شارون جاد بالفعل في إخلاء مستوطنات قطاع غزة لأن هذا الموقف هو جزء لا يتجزأ من خطته لفرض الأمر الواقع الذي يمكن أن يكون بداية النهاية الحزينة لقضية فلسطين ما لم يرتفع أداء أصحابها إلى مستوى التحديات الراهنة. ولذلك لابد أن يجزع المرء عندما يتابع كيف فهم هؤلاء قرار شارون في بادئ الأمر على الأقل، وإلى أي مدى يدركون حقيقة مراميه، علماً بأن خطته معلنة وتحدث عنها مراراً وتكراراً وليست سرية أو مخفية يحتاج الأمر إلى جهد كبير لسبر أغوارها.
فقط تعاطى القياديون الفلسطينيون في معظمهم مع قرار إخلاء مستوطنات غزة باعتباره تطوراً إيجابياً، واختلفوا بالتالي على مدى جديته. أما قياديو الفصائل المعارضة التي تطالب بتحرير فلسطين من النهر إلى البحر دون أن تقنع أحداً بقدرتها على تحرير شارع واحد، فقد استغل بعضهم قرار شارون لخداع الفلسطينيين المنكوبين وإيهامهم بأن رئيس الوزراء الإسرائيلي بدأ يفر مذعوراً تحت وطأة الهجمات التي يقومون بها ضد قواته التي لم يعد أمامها إلا أن تهرب مدحورة!
قليل جداً من القياديين الفلسطينيين هم الذين عبرت ردود أفعالهم عن سلامة إدراكهم لخطة شارون. فقد ربط وزير العمل الدكتور غسان الخطيب قرار إخلاء مستوطنات غزة بخطة فك الارتباط من جانب واحد وإعادة ترتيب أوضاع الاحتلال بما يتناسب مع الاحتياجات الإسرائيلية في المرحلة المقبلة.
وربما أكثر ما يثير الاستغراب في سوء الأداء الفلسطيني تجاه خطة شارون هو أن هذه الخطة المعلنة ليست جديدة. فقد تحدث عنها شارون للمرة الأولى في يوليو 2002 عندما أكد أنه ليس ملزماً بأية مقترحات إسرائيلية سابقة في شأن الحل النهائي مع الفلسطينيين، سواء ما طرحه سلفه إيهود باراك في قمة كامب ديفيد الثانية (يوليو 2000) أو غيرها. فقد أوضح في ذلك الوقت أنه لا يمانع في إقامة دولة فلسطينية منزوعة السلاح في قطاع غزة وجزء من الضفة الغربية لا يتجاوز 42 في المئة من مساحتها.
والملاحظ أنه لم يبدأ في الإفصاح عن خطته إلا بعد أن أعادت قواته احتلال مناطق السلطة الفلسطينية في الضفة الغربية خلال الاجتياح الكبير في أبريل 2002، والأرجح أن شارون لم يحدد إطاراً زمنياً لتنفيذ خطته هذه في ذلك الوقت. فقد أعطى الأولوية القصوى لإخماد الانتفاضة وإنهاك الأجنحة العسكرية للفصائل الأكثر نشاطاً عبر عمليات المداهمة والملاحقة والاغتيال. غير أن تحرك اللجنة الرباعية الدولية المعني