تعد اتفاقيات التجارة الحرة الموقَّعة، والمفاوضات الجارية حولها بين الولايات المتحدة الأميركية وبعض الأقطار العربية، ظاهرةً مهمةً في العلاقات الدولية والاقتصادية، فهي تستحق منا الوقوفَ عندها والنظرَ مليّاً في أهمّ أبعادها. وإذا كانت انعكاساتها على الدول العربية تختلفُ باختلاف النظم السياسية والقدراتِ الاقتصاديةِ والبشرية والجغرافية لهذه الدول، فإنها تعكسُ حقيقةً ماثِلة للعيان سياسياً واقتصادياً، وهي أن الولاياتِ المتحدةَ تسجِّلُ سَبْقاً في علاقاتها الدولية في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في المزاوجة بين الصراع والتعاون، وتكسرُ البعدَ الجغرافي، وتتجاوزُ البعدَ الصراعيَّ، الذي يعكِسُه النزاعُ في الشرق الأوسط بكل تجلياته القديمة والجديدة من قضية فلسطين إلى احتلال العراق إلى ما يسمَّى محاربةَ الإرهاب، لتتدثّرَ بعباءة البراجماتية في حراك يجمعُ بين متناقضاتِ الأمن والصراع والتعاون. غير أنَّ هذا التحرك الأميركي لا يخدم التجارةَ الحرّة على المستوى العالمي، بل يخلق تكتلات اقتصاديةً وتجاريةً ويطرقُ بابَ الدول الكبرى، لاسيما الدول الأوروبية الغربية وروسيا والصين والهند، فيدفعُها إلى تطوير علاقاتها بهذه المنطقة، وهو ما يضفي طابعاً من التنافس والصراع والتعاون بينها. وتزداد حتمية التداخلات المتعددة للدول الكبرى بالنظر إلى طبيعة المنطقة حيث المواردُ الطبيعية والموقعُ الجغرافي المهم والأسواق... وكلها دواعٍ للتنازع. وتتضارب الآراء حول هذه الاتفاقيات، إذ يرى فيها البعض حجراً سياسياً... وكم من عَقرَب تحت الحجر! وما العقربُ عندهم سوى إسرائيل بدعوى أنَّ السلع الإسرائيلية تدخلُ مع السلع الأميركية المعفاةِ من التعرفة الجمركية، كما لو أن التطبيع هو أُمُّ القضايا! رغم أنَّ ما تجودُ به مصانع بني إسرائيل موجودٌ في بعض أسواق الشرق الأوسط، وإن كان يحمل علامة تجارية أخرى. بينما يرى فيها آخرون ذريعةً للتدخُّل في الشؤون الداخلية، مثل الضغط على بعض الدول لتحرير العمل النقابي وتحديدِ معاييرَ للجنسية واعتمادِ الديمقراطية وإطلاق الحريات الفردية واعتماد القوانين الرأسمالية. وهنا يصطدمُ القائلون بأنها فرصةٌ للتطوير والتنمية والتحديث بمن يرون أنها مجرَّدُ افتكاكٍ لأسواق استهلاكية واسعة، نظراً لقلة الصادرات العربية إلى الولايات المتحدة وانحصار أغلبها في الطاقة ورؤوس الأموال. والمثال على ما ذهبنا إليه بشأن عدم التوازن في هذه الاتفاقيات هو ما في دخول المصارف والمؤسسات المالية الأميركية من فائدةٍ لبعض الدول العربية وتحدٍّ وخطرٍ على الغنية منها. وإذا كان تدفُّق الأموال وتوافُرها يمثِّل القاعدةَ الأساسية لتمويل المشاريع والخطط الاستثمارية، فمن شأنها أن تدخُل أيضاً الحياةَ الاجتماعية من خلال سياسة القروض التي أخذت تؤثِّر في البنية الاجتماعية لمجتمعات المنطقة، لاسيما في ظلِّ غياب ثقافة رأسمالية فردية واجتماعية نابعة من القيم الأصيلة تُرافق هذه التحولات الكبيرة، إلى جانب إهمال المؤسسات الإعلامية والتربوية لدورها في التوعية والإرشاد أمام هذا المد العولمي، الذي لا يلوي على شيء. وفي هذا السياق لا يغرُب عنا ما تتسم به الثقافة العربية السائدة من قيم اجتماعية ودينية تقفُ حائلاً دون بروز خطٍّ سياسي اقتصادي اجتماعي واضحٍ، على غرار ما هو موجود في العالم الرأسمالي من "يمين" و"يسار"، لأن التأثير في ثقافة الفرد الاستهلاكية وتغيير نمط العلاقات الاجتماعية الأصيلة، هو مناطُ كل السياسات، أياً كان نوع المنتوج. وما دام الأمرُ على هذا النحو، فإننا نرى وجوبَ الحفاظ على المصارف الوطنية في الاتفاقيات الحرة باتخاذ ما يلزمُ من التدابير الاحترازية التي تكفلُ الحماية لنظامنا المصرفي، حتى وإن تطلّب ذلك منع المصارف الأجنبية من مزاولة النشاط أو تحييدها إلى أن يتم تطوير المصارف الوطنية وتحصينها للتكيف بطريقة سليمة مع التطورات العالمية والإقليمية. وجدير بالذكر هنا أن الرسوم المفروضة على بعض المصارف الغربية في حال عدم تحريك أموالها يجعلها تلجأ إلى التمويلات الخارجية وبشروط أقل في الضمان المقدَّم على رأس المال. وكما أن السياسةَ تقودُ إلى الاقتصاد، فإن الاقتصاد قد تمسّه لوثةُ السياسة أيضاً، فأصحاب المؤسسات المالية ورؤوس الأموال وغيرها يحملون توجُّهات اقتصادية وسياسية وثقافية لابدّ أن تظهر، فلا مجال أبداً للفصل بين المال وأصحابه وبين المؤسسات المالية الكبرى كصندوق النقد الدولي. أما ما يُشاع حول العجز عن تكوين شركات اقتصادية وتجاريةٍ كبرى في القطاع الخاص، فيمكنُ التغلُّب عليه بالتدخُّل المباشر من الدولة، والمثال الساطع هو فرنسا، التي تتبوأ مركزاً متقدماً كقوة تكنولوجية متطورة عن طريق الشركات والمؤسسات التي تملكها الدولة وهذا واضح في سنغافورة وتايوان أيضاً. لاشك أن النظام الدولي يعبِّر عن حلقات يتداخلُ فيها الصراعُ والتنافسُ والتعاون على الموارد الطبيعية المختلفة، التي تنبعُ أهميتُها في كونها نادرةً أو تحتاج إلى فترة طويلة لتعويضها أو أنها تنضَبُ أصلاً، وهو ما يجعلها تدخل في اقتصاديات النظام الدولي الرئيسية وركائز الأمن القومي للدول، التي لا تجد غضاضةً في بَسط سُلطانها على القطاعات الاستراتيجية الرئيسية لقناعتها بهذا الدور الحيوي للموارد الطبيعية. ويقودنا هذا التحليل إلى أن المساس بهذه الموارد هو مساس بالأمن القومي، ومن ثم لا مندوحة من صرف النظر عن أي اتفاقيات تنص على خصخصة هذه الموارد بحجة استغلالها وتطويرها. وتستوي في ذلك الأراضي التي تمثِّل بعداً استراتيجياً مُهِمًّا، فهي تشكِّل تضاريسَ مهمةً عسكرياً، ناهيكَ عن أنها مواقعُ جيولوجيةٌ لاستراتيجيات المخزون المائي المستقبلي. ويكون هذا الحرص بمنح الجهات المعنية بالأمن القومي صلاحياتِ اتخاذ القرارات الملزِمَة بالتدخل والمنع والاسترجاع والتأميم من منطلق الحفاظ على الأمن القومي للدول، وعدم ترك الحبل على الغارب. ولنا في ما قام به مجلس الأمة الكويتي أُسوةٌ بمنعه دخولَ طرفٍ أجنبي في علاقةٍ شراكة استثمارية لتطوير بعض الآبار النفطية وإرساء المعاملة على صورةِ مقاولٍ من منطلق أنَّها تشكل جزءاً مهماً في معادلة الأمن القومي... المشكلة أيُّها السادة ليست في العقرب تحت الحجر، ولكن في تَقليبِ الحجر ذاته... ولات حين مندم!