ذهب إيهود أولمرت إلى أقصى الوضوح، سراً وعلناً، ليقول إلى أي مدى يحتاج إلى سلام مع سوريا، بل يرغب فيه، وإلى أي حد يستطيع أن يتنازل، لكنه مع ذلك لم يتخلّ عن شروطه للسلام، حتى لو كان يقترح على سوريا مفاوضات "بلا شروط مسبقة". ولاشك أن مثل هذه اللهجة "الأولمرتية" ستلقى في دمشق آذاناً صاغية، بعد سلسلة إشارات شارك فيها الرئيس السوري مباشرة، تدعو إلى مفاوضات من أجل سلام مع إسرائيل. لكن دمشق تعرف أن ثمة فارقاً بين التهافت الكلامي الذي يبديه أولمرت وبين التعنت الذي سيظهره الإسرائيليون كالعادة في المفاوضات، ولذلك سيهتم السوريون بالتأكد من أن الذهاب إلى التفاوض يدعم السياسات الأخرى التي يطبقونها لبنانياً وعراقياً وفلسطينياً، أما إذا كان هدفه وقفها وتعطيلها فلابد أن يكون لدمشق رأي مختلف. كان واضحاً أن "العرض" الإسرائيلي لسوريا جاء بعد "ضوء أخضر" ناله أولمرت من الرئيس الأميركي، إذ أن واشنطن كانت فرضت تجميداً لأي خطوة في اتجاه سوريا طالما أنها لا تلبي المطالب الأميركية للتهدئة في العراق ولا تتوقف عن تأزيم الوضع في لبنان. لكن هذا الضغط، مرفقاً بالانسحاب السوري من لبنان ومخاض إنشاء المحكمة الدولية لمحاكمة قتلة رئيس الوزراء السابق رفيق الحريري، دفع بسوريا أكثر فأكثر إلى أحضان إيران التي تستثمر هذا التحالف بمهارة فائقة عراقياً وفلسطينياً ولبنانياً. وقد شكلت حرب لبنان صيف 2006 مواجهة بين التحالفين، الأميركي- الإسرائيلي والسوري- الإيراني، ما أضفى على نتائجها أبعاداً غير مسبوقة. إذ ربطت بين الأزمات الساخنة في المنطقة، جاعلة من إيران لاعباً رئيسياً في الشؤون العربية، بل ربطت مسار الأزمات العراقية والفلسطينية واللبنانية بالملف النووي الإيراني الذي بات يهدد بحرب جديدة لن تنجو المنطقة العربية من تداعياتها. في الأسابيع المقبلة ستشتعل بورصة التضليلات، وسيصار إلى تفعيل "بزنس" الترهيب والترغيب. الأميركيون رموا بالضارة البغدادية لاختبار استعداد إيران أن تعلق بها -والإسرائيليون يحاولون اجتذاب سوريا بجزرة التفاوض. على رغم التنسيق والتشاور المستمرين بين دمشق وطهران، هناك مناخ حذر ومراقبة بين التبصر وإعادة النظر في خياراته. كلاهما يعمل في أوضاع معقدة أصلاً وساهما معاً في زيادة تعقيداتها. كلاهما يسعى في نهاية المطاف إلى التفاهم مع الولايات المتحدة، لكن كلاً منهما لم ينل حتى الآن أي مكسب فيما يعتبره الأهم: سوريا لم تستطع منع إقرار المحكمة الدولية في مجلس الأمن، وإيران لم تستطع تحصيل أي إقرار أميركي ولو مبدئي بحقها في إنتاج طاقة نووية لـ"الأغراض السلمية". وبالتالي فإن سوريا مضطرة لمواصلة حربها ضد المحكمة إلى أن يطرأ ما يقنعها بوقف خطة تعطيل الدولة اللبنانية، وإيران ستواصل حروبها المتعددة ولو بأساليب منقحة إلى أن يرمي الأميركيون على الطاولة ما يدعوهم إلى تقديم تنازلات. المهم عند الأميركيين والإسرائيليين، وعند القوى والجهات الأخرى المساندة، ألا يمضي صيف المناورات الأخيرة هذا، إلا وتكون سوريا انتُزعت من حلفها مع إيران، أو تكون إيران أغريت بالتخلي عن ذاك الحلف، المسألة ليست سهلة، وليست مستحيلة. لكن لعبة التفاوض لمجرد التفاوض، أو بهدف الخداع، أو استدراج التنازلات من جانب واحد، لن تكون مفيدة، فالطرفان السوري والإيراني يشعران حتى الآن، بأنه لا بديل لأحدهما من الآخر، وإذا وجدت بدائل فلابد من أن تكون واضحة. في الجانب الآخر، الأميركي- الإسرائيلي، ثمة تعطش إلى تغيير جوهري ما في المنطقة ينافس التعطش إلى "نصر" عسكري ما يبدو ممكناً بمقدار ما يبدو صعباً ومكلفاً وغامض النتائج والانعكاسات. لذا فمن المحتمل أن يرجح خيار "التوريط ثم التفويض"، بحيث يشعر السوري كما الإيراني بأنه في صدد تحصيل شيء، مما يطمح إليه، فيكون محكوماً بمواصلة "التعاون" إلا أنه لن يحصل في النهاية على المكسب الذي يتصوره. على رغم أن رئيس الوزراء الإسرائيلي أبدى استعداداً مغرياً، فإن سوريا تعرف أنها ستكون مدعوة لتحديد موقفها من شروط توقيع اتفاق سلام مع إسرائيل، وبالأخص لوضع خريطة للخروج من التحالف مع إيران، وفي اللحظة الراهنة لا يبدو "اتفاق السلام" كافياً وحده لإقناع دمشق، إذ أن التحالف مع إيران والخطر الذي تشكله في لبنان ودورها في العراق وفلسطين، يشعرها بأنها في موقع قوي، وبأن نظامها ليس في خطر، لأن الإسرائيليين والأميركيين لا يريدون بديلاً منه إسلامياً أو "قاعدياً". ومن شأن إيران أن تأخذ بالتحليل نفسه في تقويم قوة موقعها. إذاً، هنا وهناك، لابد من ثمن كبير لفك هذا "التحالف". ولذلك يبقى الصيف متأرجحاً بين مفاوضتين، لكن أيضاً بين حربين محتملتين.