ليست قصة فنانة ذات فن هابط، أو عمليات تجميل أحالت القبح إلى جمال مبهر يتراقص فوق خشبة الغناء المسفّ، ولا هي ليالٍ لا يعرف كيف يمكن أن تنقضي دون غناء تافه. الحكاية تنحصر في أزمة القيم التي يعيشها المجتمع العربي بأسره والتي صارت أزمة الأزمات الحقيقية التي لابد من إيجاد مخارج لها تنقذ آخر ما يمكن إنقاذه. فالفضائيات التي أصابتنا بتخمة الهشاشة والفراغ الموحش بما لذ وطاب من أشكال التربية الخالية من أي معنى أسست لأزمة حقيقية ذات أبعاد خطيرة جعلت هوه سحيقة تظهر بوضوح بين الأجيال واهتماماتهم.
فالقراءة المتراجعة أرقامها، والكتب المنسية على أرصفة ورفوف باردة، والتدين الذي تحول إلى اتهام معلن بالعنف كلها حقائق تعني أن القيم لم يعد لها مكان بين أروقة الفكر المتداول بين البشر.
فحتى خطبة الجمعة صارت لا تذهب إلا إلى أمور هامشية لا يختلف عليها اثنان من أطفال المدارس، لأن الخوف من همجية الاتهامات وارد والأمر بالمعروف الذاهب نحو تشجيع الفكر الديني المستنير صار ضربا من ضروب المستحيل لأنه يحمل بين طياته كوابيس جمة يدركها الجميع ولكن لا يدرك أبعادها إلا هذا المهموم بهمّ الوطن وهم ألاعيب السياسة القذرة التي صرنا كأمة أهم لاعبيها الذين لا يتعلمون من تجاربهم القديمة، كأنهم بلا ذاكرة، وتحريكهم صار وفق منهج "الريموت كونترول" دون أي التفات لإرادة الأمة المطموسة بهموم الخبز والقلم والقيم المتناثرة هنا وهناك دون موقع حقيقي في الحياة اليومية.
إلى درجة أن الثقافة ومعطياتها باتت شيئاً غريباً، فائضا عن الحاجة وبالتالي عدم الركون إليها، يعني أن ترمي عن كاهلك أعباءها المتعبة، والأفضل أن تذهب إلى مشارف الإسفاف بكافة أشكاله وتأخذ بأطفالك معك حتى لا تحملهم طاقة تحمل تغيير الممكن والمستحيل.
وهل يستطيع أحد أن يعترف بضرورة تواجد التدين وأهله لنتوازن في منظومة اجتماعية تعترف بكافة الأطراف دون أن ترجح كفة على أخرى.
فالوازع الديني الذي تترتب عليه الأخلاق والهمة والاهتمام بتفاصيل حياتية مهمة، صار مطلباً مهماً، ملحاً وذا مساس مباشر مع متطلبات المجتمع قبل أن ينسف الإسفاف كل البنيان المرصوص الذي كان.
فالقيم التي نحتاجها يوفرها الإسلام بشكلها الإنساني الخلاق، الذي يهتم بالانسان بكل قيمة واهتماماته المتعددة، لذلك كان من الأهمية أن يستوعب أهل الدين ضرورة أن يصلوا إلى كافة الفئات بسماحة الدين لا بالغلو في أحكامه وشروطه.
هذا الصمت المطبق الذي تعاني منه قيمنا لم يعد بطولة بقدر ما حقق أزمة فعلية نحن في غنى عنها لنلتفت إلى أمور أكثر أهمية لا تتيحها إلا القيم الانسانية النبيلة.
المهم أن يقف سيل الإسفاف قبل أن تغرق مدن بأكملها، وأن يأتي الدين كعادته متفقاً عالياً لا يرى غير الانسان يرتقي به ويذهب به نحو مصاف النور الإنساني الراقي البعيد عن تطرف الأحكام والخوف من التهم المعلبة والتي نتبناها لمجرد أن الآخر فعل.