المشاهد الثقافية بطبيعتها متغيرة متقلّبة، تأخذها المعطيات المؤثرة ذات اليمين تارة وذات الشمال تارة أخرى. إنها في حالة "ارتحال" مستمر إما إلى الأمام وإما إلى الخلف، ومشهدنا العربي يسجّل ارتحالاتٍ تثير القلق، إن المشهد الثقافي العربي يشهد نكوصاً عن العقلانية، ويشهد خضوعاً وتحوّلاتٍ تدعو إلى الريبة لمنظومة فكرية صنعها وروّجها منظرو الإسلام السياسي وجماعاته. لقد أصبح الانتساب إلى الليبرالية جريمة، والانتماء إلى العلمانية كفراً، وتأييد القوميّة ردةً، وعلى الرغم من التحفّظ على مثل هذه المفاهيم والمصطلحات، إلا أن الموقف منها تحكمه عوامل متعددة فيها الإيجابي وفيها السلبي، ولكن الأهم هو الحذر من تضخيم هذه المصطلحات والمفاهيم وتشويهها وجعلها بمثابة العداوة للدين أو للثوابت! لقد أُجبر كثير من الأناس العاديين المنتمين لعامة الناس على الخضوع لأجندة الإسلام السياسي، التي شكّلت مساحة كبيرة من وعيهم وقناعاتهم، بل وصل الأمر إلى المثقفين، فقد اضطر أحد المثقفين الخليجيين قبل سنوات إلى أن يقول في تصريح صحفي "أنا ليبرالي وفق الكتاب والسُّنة". كما اضطر بعض العلمانيين العرب إلى التبرؤ من علمانيتهم، وإن لم يفعلوا أُدخلوا السجون، أو طُردوا من ديارهم، وما حكاية نصر حامد أبو زيد عنّا ببعيدة. أما القوميون العرب، فحدّث ولا حرج عن خضوعهم التام لمفردات الخطاب الإسلاموي، وإن حاولوا تزويق خضوعهم هذا بتسميته تعاوناً والتقاءً على مفاهيم مشتركة! لقد كانت مفردات النهوض في أوائل القرن المنصرم تقوم على محاربة "الاستعمار" بوصفه احتلالاً غير مشروع، ونهباً لثروات الأمة، وكانت قراءته تتمّ في سياق أننا جزءٌ لا يتجزأ من "العالم الثالث"، حتى لدى المفكرين الإسلاميين كمالك بن نبي وغيره، أما اليوم، فإن المفردات قد اختلفت من كونها مفردات ذات سياق مدني، لتصبح مفردات أيديولوجية دينية، تتحدث عن "الغزو الفكري" و"صراع الأديان"، وعن مقاومة الاحتلال لا بوصفه استعماراً ينهب الثروات، بل بوصفه عدواً أيديولوجياً، صليبياً أو يهودياً. والمقاومة لا تتمّ عبر محاولة الاستفادة من تقدّمه ونقل مفردات هذا التقدم وآلياته لمجتمعاتنا، كلا بل يتمّ الترويج بكثافة إلى أن المقاومة يجب أن تكون بالانكفاء على الذات والهويّة، والنكوص إلى أعماق التاريخ العربي والإسلامي للتفتيش عن النموذج الأكثر نقاءً، وتلك هي الكارثة. وحين يكون النموذج المنشود هو متخيّل موهوم وقع في الماضي السحيق وتأسْطر مع صقل الكتب والرواة له، فإننا سنبقى مشدودين للتقهقر الفكري والحضاري بشكل عام. إن مجالنا العربي المعاصر، بكافة تجلياته الاجتماعية والسياسية والثقافية محكومٌ بنظرياتٍ خاضعةٍ لتصوّراتٍ صاغتها جماعات "الإسلام السياسي"، وأخضعت لها بشتى الوسائل جميع الأطياف المتباينة في المشهد العربي. إن البداية كانت في نكوص وتعرِّي وانكشاف البدائل التي كانت مطروحةً في المشهد العربي منذ الأربعينيات وحتى نهاية الستينيات من القرن المنصرم. كان الإعلان عن هزيمة المشاريع العربية الأخرى وعلى رأسها المشروع القومي صارخاً في هزيمة 1967. وكانت جماعات الإسلام السياسي مضطهدةً في السجون والمعتقلات ومضيّقاً عليها خارجها، غير أن ما نجحت فيه هذه الجماعات يكمن في أنها استطاعت أن تحوّل ما مرّ بها في السجون إلى ملاحم فنتازية فيها من الساديَّة ما لا يتحمّله الذهن البشري ولا العاطفة الإنسانية. إن ترويج "الشعور بالصدمة" من خلال سرد وقائع تعذيب مبالغ في معظمها، كان هدفاً مباشراً لجماعات الإسلام السياسي، أرادت أن تكسب من خلاله عدة مكاسب منها: الطعن في المشاريع الأخرى وضرب مصداقيتها، إضافة إلى نشر التعاطف مع مأساتها والظلم الذي تعرّضت له، وكذلك الخروج بمظهر البطل الأسطوري، الذي تحمّل ما لا يتحمله بشر. وأخيراً فإنه بناءً على الحكايات الأسطورية التي تقبّلها الشارع وتمّ ترويجها عليه، فإن الإمساك بزمامه يقتضي ربطه بخرافاتٍ فكرية تنتج داخل هذه الجماعات، وتصدَّر لرجل الشارع، وتسوّق عليه بشتى أنواع التسويق، التي يقف التسويق عبر الدين على رأسها. إن مفردات هذا الخطاب بكل ما تكتنزه وتمتلئ به من مفاهيم وآليات تمركز "الرفض" للرفض، و"المعارضة" للمعارضة، إنها تنشر العداوة والتخاصم وتئد الحوار والتعاون، إنها تشدّ المجتمع إلى الوراء لا إلى الأمام، تعتقل بمنظومتها المتكاملة عقل المتلقي وقلبه حتى لا تدع له مجالاً للتفكير أو المراجعة فضلاً عن النقد والتمحيص. لقد سيطرت هذه الجماعات لسنواتٍ طويلة على مناهج التعليم في أكثر البلدان العربية، واستطاعت أن تبني أجيالاً وراء أجيالٍ على أفكارها ومبادئها ومفاهيمها، وضمنت بذلك أن يبقى الشخص بعدما يكبر في السنّ أو في المكانة معتقلاً لأفكارها ومبادئها، ويسهل عليها التأثير عليه وتوجيهه، أو على الأقل ضمان أن يعيش مع نفسه في حالة صراع دائم، بين ما يراه صحيحاً ويفعله، وبين ما تمّ إقناعه لسنواتٍ بأنه هو الحق والصواب. ثمة ذئاب بشرية ترتدي لنا لا مسوح الضأن فحسب، بل مسوح الضأن المتديِّن، المتحدث باسم الدين والإسلام، ذئاب لا همَّ لها إلا نهشنا وأكلنا وجعلنا تروساً صغيرة في مكائنها الكبرى التي تدير، وريشاً يتطاير في عواصفها التي تثير. بعد كلّ ما تكشّف وتبيّن وظهر للعيان بالأسماء والأرقام والإحصاءات العلمية، أحسب أنه لم يعد أمامنا مزيدٌ من الوقت لنجامل هذه الجماعة من الناس أو تلك، أو أن نحابي هذا التجمّع أو ذاك، يجب أن نتخذ مواقف صريحة وواضحة ومباشرة تجاه معاقبة كل هؤلاء المتلاعبين بالدين كشعارٍ حزبي تارة، وكحزامٍ ناسفٍ تاراتٍ وتارات. إن هؤلاء المجرمين بكل أصنافهم وشكولهم، ومهما اختلفت شخوصهم ووجوههم يعبّرون عن معنى واحد هو معنى محاربتنا ومحاربة ديننا، وتشويهنا وتشويه ديننا، ومن ثمّ استباحة قتلنا وإبادتنا وتدمير كل ما نملكه من عناصر قوّةٍ تنموية كالنفط وغيره، وأمثال هؤلاء يستحقون وبجدارة أن يكونوا عظةً وعبرةً لغيرهم حتى نوقف حمامات الدماء التي تنهمر على أوطاننا كل غداةٍ وكل عشي. مشكلة بهذا الحجم لا يمكن أن تحلّ بعاملٍ وحيد مهما بلغ تأثيره وقوّته ونجاحاته، مشكلة بهذه الضخامة بحاجة إلى استراتيجية متكاملة للحلّ لتستطيع القضاء عليها أولاً، ثم انتزاع جذورها ثانياً، وثالثاً تستطيع أن تخطط لغرس نبتةٍ جديدة خالية من كل شوائب هذه المشكلة، نبتة تثمر في ربوعنا رخاء ومحبة وعدلاً وتعايشاً وسلاماً وأمناً ورخاءً. نبتةٌ نرعاها بشغاف القلوب وأهداب العيون، نبتةٌ نسقيها أحلامنا الزاهية وآمالنا العريضة لتبقى لأجيالنا القادمة رمزاً للبقاء، رمزاً يثير لدى الأجيال التحدي بأنها خلقت لتعيش وتبني لا لتموت وتهدم وتدمر وتفجر. إن زراعة مثل هذه النبتة تحتاج لتخطيط طويل وصبر مديد، ورؤية ثاقبة وبانٍ لا يكلّ وراعٍ لا يملّ، حتى تؤتي النبتة ثمارها وتعشب خضراؤها، ويجد الناس فيها حلماً طالما ضيعوه وأملا طالما غاب أو غيّب عنهم. لقد كان بعض علماء ومفكري عصر النهضة يقولون: لعن الله ساس ويسوس، وأصبح منظرو الإسلام السياسي يقولون: لعن الله ساس ويسوس إن لم تكن لنا وبنا وحدنا دون العالمين! الإشكال كبير وتعقيداته كثيرة، والحل ليس سهلاً ولا ميسوراً، ففي الحلول مشاكل ومخاطر ومحاذير كثيرة، وهذه طبيعة الدنيا، فمن يبني ليس كمن يهدم، ومن ينمِّي ليس كمن يخرِّب.