كان شهر مايو المنصرم ثالث أسوأ شهر -منذ مواجهات الفلوجة في أبريل ونوفمبر 2004- على كاهل آلة الحرب الأميركية في العراق، وذلك من حيث الخسائر البشرية للقوات الأميركية إذ قتل أكثر من 122 جندياً، وهو رقم له دلالته ضمن ما يسميه الأميركيون "نقل الحرب إلى ساحة العدو". ولا يبدو أن شهر يونيو سيكون أقل سوءاً على الأميركيين هناك، حيث سقط في الأسبوع الأول وحده أكثر من 21 قتيلاً. وهو ما حضَّر الرئيس بوش الشعب الأميركي له سلفاً في نهاية شهر مايو المنصرم متوقعاً صيفاً ساخناً، وسقوط المزيد من الأميركيين والعراقيين. بعد ثلاثة أشهر من "خطة أمن بغداد" واستراتيجية SURGE التي يعول عليها الرئيس بوش وقيادات حزبه المتخوفة من تأثير إخفاقات العراق على فرص احتفاظ الحزب "الجمهوري" بالبيت الأبيض في 2008، يبدو جلياً أن الخطة لا تزال بعيدة عن تحقيق الأهداف والآمال المرجوة. فتقرير "نيويورك تايمز" -الاثنين الماضي- يؤكد أن القوات الأميركية والعراقية لم تنجح سوى في السيطرة على ثلث أحياء بغداد أو 146 حياً من 457 حياً في العاصمة. هذا مع تراجع للعنف في بعض أحياء بغداد واستمراره في الأحياء المختلطة بين السُّنة والشيعة، ولكن مستواه ككل لا يزال على حاله، لأن حدته ارتفعت في المناطق الأخرى، وخاصة في محافظة ديالى. مما يؤكد أن الخطة لن تحقق أهدافها كما يأمل الرئيس بوش وفريقه بحلول سبتمبر القادم، موعد تقديم الجنرال بيتراوس لتقريره الذي سيشكل النقطة الفاصلة لمستقبل الوجود العسكري الأميركي. ولعل تصريحات قائد قوات التحالف السابق في العراق الجنرال سانشيز بعدم قدرة القوات الأميركية على تحقيق الانتصار في العراق تعكس الوضع البائس والمشهد الكارثي الذي وصلت إليه الأوضاع في بلاد الرافدين، وهو ما يتفق معه ثلاثة أرباع الأميركيين الذين يرون أن الحرب في العراق تسير بالاتجاه الخاطئ. وما يزيد أكثر "قتامة" المشهد العراقي -على حد توصيف سانشيز- هو ما أكدته دراسة لمعهد "بروكينجز" مؤخراً من أنه إذا لم يطرأ أي تحسن كبير على الأوضاع في العراق خلال الأشهر القادمة، فسيكون من الصعب توقع نجاح الاستراتيجية العسكرية الأميركية. وتعزو دراسة معهد "بروكينجز" فشل الاستراتيجية إلى سببين: الأول استمرار قيام "القاعدة" بعمليات التفجيرات والقتل والسيارات المفخخة، وهذا السبب الرئيسي لاستمرار ارتفاع عدد القتلى في العراق. والسبب الثاني انسداد الأفق السياسي، وعدم قدرة الحكومة على تحقيق مطالب المصالحة الوطنية، وخاصة حول قانون النفط وتوزيع الثروة. هذا دون الحديث عن كيف تحول العراق إلى قاعدة تدريب وتأهيل ينطلق منها الإرهابيون للقيام بعملياتهم في الدول القريبة والبعيدة من العراق، ولعل ما يجري في مخيم "نهر البارد" من اقتتال ليس ببعيد عن هذا الواقع المُر. ولا ننسى أن أكثر من نصف نواب البرلمان العراقي وقعوا -بمبادرة من الكتلة الصدرية- على عريضة تخالف مطالب الحكومة العراقية ورئيسها، وتطالب بسحب متدرِّج للقوات الأميركية من العراق. كل هذا، إذا ما أضفنا إليه الاحتقان والمنازلة الحادة في واشنطن يرفع فرص ازدياد التوقعات ببدء خطط انسحاب متدرج، وإعادة انتشار، وخفض الفرق العسكرية المقاتلة الأميركية من 20 إلى 10، وبدء الحديث عن تطبيق نموذج كوريا الجنوبية على العراق بالنسبة لمستقبل الوجود العسكري الأميركي هناك. وهذا يفتح المجال والسجال الواسع في واشنطن وبغداد وفي غير عاصمة، عن فرص طرح خطط بديلة فيما يعرف بـ"الخطة البديلة" أو "plan B". والتي باتت على ما يبدو أمراً واقعاً بسبب تعثر خطة أمن بغداد وتراجع الإنجازات أو عدم قدرة حكومة المالكي على تحقيق المطالب السياسية التي يطالبها بها كل من الكونجرس والإدارة الأميركية. وبعد أصبح يشكك في قدرة حكومة المالكي الكثير من دول المنطقة، والكتل السياسية العراقية، وخاصة السُّنية وآخرهم "الجبهة العراقية للحوار" السُّنية، المطالبة بانسحاب مجدول للقوات الأميركية. كما تتهم حكومة المالكي بعدم القدرة على تحقيق المصالحة الوطنية المطلوبة، أو تهدد بالانسحاب من العملية السياسية وهذا يصب النار السياسية على المشهد العراقي وقد تنضم للكتلة السُّنية الأكبر الأخرى "التوافق"، وإلى الكتلتين الشيعيتين "الصدرية" و"الفضيلة" في انسداد أفق كلي في العراق.