مضى على الاحتلال الإسرائيلي للضفة الغربية وغزة أربعون عاماً ولا يزال التدمير المنظم للشعب الفلسطيني وثقافته مستمراً. وعلى رغم أنني لست فلسطينياً إلا أن قصة الشعب الفلسطيني كانت في غاية الأهمية بالنسبة لي عبر مراحل حياتي المختلفة. فمنذ أول مرة زرت فيها المعسكرات الفلسطينية في لبنان، أصبحت قصة هذا الشعب الأسير الذي سُلبت منه دياره، مصدر إلهام لي إلى درجة أن رسالتي لنيل شهادة الدكتوراه كانت عبارة عن دراسة لـ"نشأة الوعي الوطني الفلسطيني"، كما أن تلك القصة شكلت من بعد ذلك حافزاً لي للانخراط في حملة حقوق الإنسان الفلسطيني. فعندما زرت مخيم عين الحلوة في ذلك العام -1971- أدركت أن الفلسطينيين، وعلى رغم الظروف الصعبة التي كانوا يعيشون فيها، قد أعادوا إنتاج وتمثيل الحياة الفلسطينية مجدداً في ذلك المخيم حيث كانوا لا يكفون عن ذكر القرى التي ينتمون إليها في فلسطين، وأنماط الحياة التي كانوا يعيشونها هناك، وذكرياتهم عن نكبة 1948، وكيف أُخرجوا قسراً من ديارهم، وآمالهم بالنسبة للمستقبل. بعد ذلك، وعبر سنوات عمري، أسعدني الحظ بمقابلة فنانين فلسطينيين مثل كمال بلاطه وإسماعيل شموط، اللذين يجسدان بحق روح الشعب الفلسطيني في الفن. كما قابلت أيضاً شعراء مثل توفيق زياد ومحمود درويش وغيرهما ممن كانت أعمالهم إدانة للاحتلال، وكانت تلك الأعمال تذكر الإسرائيليين بأنبياء العهد القديم الذين تحدوا الظلم، في نفس الوقت الذين كانت تسهم فيه تلك الأعمال في تعزيز قضية الشعب الفلسطيني وإثرائها بلغة جديدة جسورة، تعمل على إبراز الهوية الفلسطينية الأصيلة. وخلال عملي مع حملة حقوق الإنسان الفلسطينية التي بدأت عام 1977 أسعدني الحظ بمقابلة العديد من القيادات الفلسطينية من الأراضي المحتلة مثل الدكتور حنا ناصر رئيس جامعة بير زيت، والدكتور عبدالجواد صالح عمدة البيرة، وكلاهما تعرض للقبض للسجن والتعذيب والطرد من إسرائيل في يوم 10 ديسمبر 1973 وهو اليوم العالمي لحقوق الإنسان. بعد ذلك قابلت في مناسبات مختلفة عدداً كبيراً من الرجال والنساء الفلسطينيين والفلسطينيات الذين عانوا العديد من الويلات على أيدي سلطات الاحتلال. كان هناك من تعرض لتعذيب مروِّع، وكان هناك من دمرت منازلهم كنوع من العقاب الجماعي، وبهدف اقتلاعهم من أرضهم لبناء مستوطنات عليها.. وكان هناك من قضوا سنوات عديدة في السجون الإسرائيلية دون أن توجه إليهم تهم محددة أو يتم تقديمهم للمحاكمة، وكان منهم من تعرضوا لأنواع لا حصر لها من الإهانة والإذلال على أيدي الاحتلال. والانطباع الذي خرجت به من كل تلك اللقاءات هو أن كل ما يريده الفلسطينيون هو أن يعودوا إلى حياتهم الطبيعية، وأن يعيشوا بكرامة وأن يحصلوا على حقوقهم كشعب حُر، وأن تتاح لهم الفرص لبناء ما تهدم من وطنهم وحياتهم. أتاحت لي ظروف عملي أيضاً مقابلة عدد من نشطاء حقوق الإنسان الإسرائيليين ومن أبزرهم "فيليشيا لانجر" والدكتور "إسرائيل شاحاك إسرائيل" اللذان يدافعان عن حق الفلسطينيين في الحياة والحرية والعدل. وقابلت أيضا ناشطين عالميين مثل "راشيل كوري" التي لقيت حتفها من أجل الدفاع عن القضية الفلسطينية، وغيرها ممن عرضوا حياتهم للخطر من أجل إيقاف الانتهاكات. وكان هناك أيضاً العديد من المنظمات مثل "السلام الآن" و"بيتسيلم" اللتين يتعرض ناشطوهما لمخاطر جمة من أجل قضية السلام. وهناك أيضاً رجال عظماء مثل زاهي خوري وإبراهيم أبولغد وسام بحور، وهم أميركيون قرروا بعد "أوسلو" أن يعودوا من أجل بناء وطنهم. إن كل هؤلاء ليسوا سوى عدد قليل من الأبطال الذين أنجبتهم فلسطين، والذين استمددت الإلهام من حياتهم ومن عملهم بل وتعلمت منهم الكثير. وهم دليل على قدرة الشعب الفلسطيني على الصمود وعلى إنتاج الأبطال تحت أقسى الظروف. وأنا الآن أعرف أن هناك إسرائيليين ملتزمين بقضية السلام، لا يزالون يتحدون سلطاتهم من أجل الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. وبسبب هؤلاء وأولئك فإنني أومن بأن استمرار الاحتلال، أو هذا الكابوس المستمر، سيكون دافعاً لإنتاج الأبطال الذين سيتمكنون في يوم من الأيام من وضع نهاية له.