يقول "أكتر قاسم بسيط" إنه ليس غاضباً بسبب السنوات الأربع التي أمضاها في معتقل جوانتانامو قبل أن ينطق معتقِلوه باعتذار قصير ويرسلوه إلى هذه العاصمة البلقانية، ليبدأ حياة جديدة كلاجئ. إذ يرى ومعتقلون سابقون آخرون في جوانتانامو أن هذه الحياة الجديدة في ألبانيا، هي التي تدفعهم إلى اليأس وفقدان الأمل. لقد أُطلق سراح هؤلاء الرجال، وهو مسلمون من الأقلية العرقية "الويغور" التي تعيش غرب الصين، بعد أن خلص المسؤولون الأميركيون إلى أنهم لا يشكلون أي تهديد للولايات المتحدة. ومنذ أزيد من عام، يعيش هؤلاء في مركز حكومي للاجئين يحرسه أفراد شرطة مسلحون ويقع في أطراف تيرانا الهامشية. وقد قيل لهؤلاء الرجال إن عليهم أن يجدوا عملاً للخروج من المركز، وإن عليهم قبل ذلك أن يتعلموا اللغة الألبانية للحصول على تراخيص للعمل. وفي انتظار ذلك، يستفيد هؤلاء المعتقلون السابقون من وجبات تطغى عليها المعجنات والأرز، إضافة إلى مساعدة مالية شهرية بقيمة 67 دولاراً، ينفقون معظمها في المكالمات الهاتفية مع عائلاتهم وأقاربهم. بيد أن بعض هؤلاء الرجال فقدوا الأمل في رؤية زوجاتهم وأطفالهم من جديد. وفي هذا السياق، يقول "بسيط": "لقد عانينا الكثير في جوانتانامو، ومازلنا نعاني هنا"، مضيفاً "المعتقلون الآخرون لديهم بلدانهم، أما نحن فنشبه اليتامى، إذ لا مكان لدينا لنقصده". ذلك أن "بسيط"، قضى وأربعة رجال آخرين فترة من الوقت في بلدة صغيرة في أفغانستان يديرها انفصاليون من "الويغور"، مازالوا يعتبرون إرهابيين في أعين الحكومة الصينية الشيوعية. وقد كانت الحكومة الألبانية الموالية للولايات المتحدة الحكومة الوحيدة، التي قبلت منحهم اللجوء، غير أن المسؤولين الألبان أخبروا الرجال بأنهم لا يستطيعون أن يمنحوهم أكثر من ذلك. ومع ذلك، يرى هؤلاء المعتقلون السابقون أن الأمور كان يمكن أن تكون أسوأ بكثير؛ ذلك أن 15 شخصاً على الأقل من "الويغور" السبعة عشر الذين ما زالوا في جوانتانامو بُرئت ساحتهم؛ غير أن كل البلدان، بما في ذلك ألبانيا، ترفض استقبالهم -إضافة إلى الولايات المتحدة. وفي هذا الإطار، يقول دبلوماسيون أميركيون إنهم طلبوا من 100 دولة توفير اللجوء للمعتقلين، ولكنهم سرعان ما اكتشفوا أن المسؤولين الصينيين كانوا لهم بالمرصاد حيث يحذرون الدول من مغبة استقبالهم. وفي هذا السياق، يقول المستشار القانوني لوزارة الخارجية "جون بيلينغار": "لقد قامت الولايات المتحدة بجهود مكثفة وعلى مستوى عال ٍعلى مدى أربع سنوات في محاولة لإعادة توطين المعتقلين "الويغور" السابقين في عدد من البلدان عبر العالم"، موضحاً أن عدم نجاحها في ذلك "لا يعزى إلى تقصيرٍ أو تقاعس". والواقع أن العديد من المسؤولين الأميركيين يصفون في المجالس الخاصة محنة "الويغور" باعتبارها واحدة من أكثر حلقات برنامج الاعتقال الذي وضعته إدارة بوش إثارة للإزعاج. وفي ظل الجولة التي يقوم بها الرئيس بوش في أوروبا هذه الأيام، يتساءل "الويغور" ومعتقلون سابقون آخرون في جوانتانامو هنا في تيرانا حول ما إن كانت الولايات المتحدة ستفعل شيئاً لمساعدتهم على الحصول على مسكن وعمل وغيره ذلك من الأمور التي وُعدوا بها، وهي التي رحّلتهم إلى هنا مقيدين. في أحد أيام منتصف شهر مايو، أُذن لـ"الويغور" الأربعة بمغادرة مركز اللاجئين، فاستقلوا حافلة قاصدين مكتب رئيس الوزراء الألباني "سالي بيريشا" في وسط المدينة. إلا أن أحد مساعديه أخبرهم بأن "بيريشا" مشغول جداً، واعداً إياهم بأن ينقل إليه مطالبهم. وفي هذا السياق، يقول "أبوبكر قاسم"، وهو أحد المعتقلين السابقين: "قلنا لهم، إذا كنتم لا تستطيعون الوفاء بما وعدتم به، فرجاء، اطلبوا من جورج بوش أن يجد لنا بلداً آخر". "الويغور" الاثنان والعشرون، الذين انتهى بهم المطاف في جوانتانامو، كانوا جزءاً من مجموعة تضم نحو 36 شخصاً بإحدى البلدات الصغيرة في الجبال البيضاء لشرق أفغانستان، غير بعيد عن "تورا بورا"، عندما بدأت الولايات المتحدة قصف المنطقة في أكتوبر 2001. ويقول معظم "الويغور" الخمسة في تيرانا إنهم تركوا منازلهم في إقليم زينجْيانغ في أقصى غرب الصين، وهي منطقة يسميها "الويغور" تركستان الشرقية، بحثاً عن قوت عائلاتهم وهرباً من تحرش الحكومة الصينية بهم، مضيفين أنهم وصلوا إلى أفغانستان بعد أن سافروا عبر بلدان أخرى في آسيا الوسطى، حيث أُخبروا بأنهم يستطيعون الحصول في بلدة "الويغور" على الطعام والمأوى بالمجان في انتظار تحديد ما سيقومون به بعد ذلك. ويُذكر هنا أن منظمات حقوق الإنسان الدولية لطالما اتهمت السلطات الصينية بقمع "الويغور" البالغ عددهم نحو تسعة ملايين نسمة في إقليم زينْجيانغ، حيث تحدث أحياناً أعمال عنف انفصالية. كما يصف تقرير وزارة الخارجية الأميركية حول حالة حقوق الإنسان في العالم لـ2006 التمييز العرقي، وقمع الحرية الدينية للمسلمين، ومتابعة من يُعتقد أنهم انفصاليون وإعدام العديد منهم. وقد أوكلت للرجال الذين وصلوا إلى هناك مهام، ومُنحوا طعاماً وألقاباً، ودُربوا على استعمال بنادق قديمة من طراز "إي كي 47". غير أن مسؤولاً استخباراتياً أميركياً قال: إن بعض "الويغور" الذين ما زالوا في جوانتانامو تلقوا تدريباً مكثفاً وواسعاً. وقد قال زعيم البلدة، وهو رجل يدعى عبدالمحسن، لزواره إنهم يستطيعون البقاء إذا كانوا يرغبون في "تحرير" الويغور الآخرين، وإنهم أحرار في الرحيل متى شاءوا. وفي هذا الإطار، يقول "قاسم"، البالغ 38 عاماً والأكبر سناً من بين المعتقلين الخمسة، "لا نعرف ما إن كان ينتمي إلى منظمة معينة؛ إذ لم يكن مسموحاً لنا أن نطرح أي أسئلة". في منتصف أكتوبر 2001، قصفت الطائرات الأميركية بلدة "الويغور" في أفغانستان، فقتلت شخصاً واحداً على الأقل، ما دفع البقية إلى الفرار عبر الجبال إلى باكستان، حيث قام القرويون هناك بتوفير المأوى والطعام لهم، غير أنهم سرعان ما خانوهم وأبلغوا قوات الأمن المحلية بشأنهم، والتي سلمتهم بدورها للقوات الأميركية. أما في تيرانا، وبعد الوعود الكثيرة بالمساعدة التي مُنحت لهم من قبل المسؤولين الألبان، فقد طلب المعتقلون "الويغور" أواخر العام الماضي أن يُنقلوا إلى بلد آخر. غير أنه قيل لهم إن الأمم المتحدة لا تستطيع إرسالهم لبلد آخر لأنهم يوجدون الآن في بلد "آمن". والحقيقة أن جميع البلدان ترفض استقبالهم. ومن شدة يأسهم، حاولوا مؤخراً خوض إضراب عام عن الطعام، وهي طريقة احتجاجية كانوا يلجأون إليها أحياناً في جوانتانامو. يقول قاسم: "بعد أربع سنوات ونصف السنة، كنا نعتقد أننا تخلصنا من جوانتانامو، ولكننا في الواقع مازلنا نعيش تحت ظله"، مضيفاً "أحيانا أعتقد أن الذهاب إلى وطني والموت هناك أفضل من البقاء هنا". تيم غولدن مراسل "نيويورك تايمز" في تيرانا - ألبانيا ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"