تحدثت العديد من الأدبيات عن الخصخصة، وكونها لا تمثل دائماً الخيار الأمثل لتحقيق الأهداف التي تسعى الدولة للوصول إليها، وأن لكل دولة تجربتها الخاصة، التي ليس من الممكن تعميمها على كل الدول، فهناك منظومة سياسية واجتماعية واقتصادية لها خاصيتها المتفردة، والتي تفرق بين دولة وأخرى. ولعل "نعومي كلاين" الكاتبة والصحفية الكندية اختصرت تعريف الخصخصة بكونها "شكلاً من أشكال الاستعمار الجديد". وقد كان عهد الرئيس الأميركي الأسبق رونالد ريجان بداية لتأسيس هذا النظام الاقتصادي، الذي أفقد الدولة دورها الأساسي والمهم، وحولها إلى مجرد مركز لا أكثر من ذلك. وتأتي حكومة بوش لتفعل الشيء نفسه، وتفتت المركز أيضاً، وتحول الخدمات الحكومية الأساسية، إلى خصخصة وتجهض بذلك دور الدولة ومقوماتها. والسؤال هنا: هل نعي نحن تداعيات تطبيق مثل هذا النظام؟ هل ندرك خطورته مثلما أدركنا مزاياه؟ فعلى سبيل المثال الكثير من الأراضي الخدمية، تحولت فجأة إلى أراضٍ استثمارية، تُخصص لكل من يقدم فيها سعراً أعلى، ولن نبحث هنا عن جنسية المتقدم لشراء مثل هذه الأراضي، لأن الأمر لا يتعلق بمن وخطورة من، لكنه يذهب لأبعد من هذا، عندما تفقد الدولة مثل هذه الخدمات وهذه الأراضي، التي كانت مخصصة لتكون في خدمات الجمهور في عدد من القطاعات الخدمية الأساسية. وأبعد من هذا كون الخصخصة تذهب للتعليم والصحة وغيرها من الخدمات، مما يُفقد الدولة العديد من المزايا، وتفقد سطوتها بشكل تدريجي، وعلى مراحل، مما يخلف آثاراً لا يمكن التخلص منها ولو بعد حين. فإذا كان المناهضون الأميركيون لفكرة خصخصة الهاتف باعتباره خدمة ثانوية، حسب التفسير الحكومي له، ماذا عنا عندما ننحو مناحي أخطر، وهي خصخصة الصحة أو التعليم أو حتى الشراكات مع مؤسسات أخرى. فهذه الشراكات، تجعل بالضرورة أن الطرف الآخر يفرض شروطه واعتباراته ويسحب العديد من المزايا والأحلام التي وجدت من أجلها هذه القطاعات، خاصة وأنها شراكة غير متكافئة، حين نكون نحن في دور الممول، ويكون الطرف الآخر في دور المفكر والمنفذ للأفكار. وهنا تكمن الخطورة وتكمن حقيقة شكل الخصخصة الأخطبوط السري النهم. إذا كانت بعض الأنظمة والحكومات يلجأ للخصخصة بسبب حجم الفساد المستشري، وتكون في الغالب إنقاذاً لجزء من صالح الشعب، فإننا في الدولة هنا لا نحتاجها بقدر ما نحتاج رؤية اقتصادية تستشرف المستقبل بعمق، وتقرأ تجارب الآخرين بتمعن، وتعمل على ترسيخ دور الدولة البناء، الذي بدأ منذ بداية الاتحاد، وعليه أن يستمر على نحو أكثر وعياً وإلماماً بمتطلبات الوقت ودور الدولة الريادي في حياة شعبها أولاً وآخراً. فليس من صالح أحد أبداً، سواء على المدى البعيد والقريب، أن تكون الدولة نواة، لأنها بذلك تتفرغ من أدوارها الأساسية، وتتحول إلى مجرد مركز ومتفرج لآخرين وضعوا مصالحهم أولاً، وما بعد ذلك فليذهب مع الطوفان.