كثيراً ما يفشل واضعو السياسات والمشرِّعون في الأخذ في الاعتبار بقانون العواقب غير المقصودة. وآخر مظاهر هذا الفشل، سعي البعض في خفض معدل اعتماد الولايات المتحدة على منتجات النفط المستوردة، عن طريق تحويل قدر كبير من المحاصيل الزراعية مثل الذرة، إلى قطاع إنتاج طاقة الإيثانول وغيرها من موارد الطاقة البديلة لوقود السيارات. وعلى رغم نبل الهدف، فإن السياسة والوسائل المتبعة لتحقيقه، تتسمان بالسوء وقِصر النظر. ذلك أن الحقيقة، هي أن غاز الإيثانول البديل، لن يسهم إسهاماً يذكر في خفض اعتمادنا على منتجات النفط الأجنبي المستوردة، إذا ما علمنا أن المنتجات المستوردة تغطي نسبة تفوق 60 في المئة، من إجمالي استهلاكنا للطاقة، إضافة إلى أن سياسة الإيثانول هذه ستكون لها تأثيراتها الكبيرة على الأسواق الأخرى. وكما نرى الآن، فها هم مزارعو الذرة والعاملون في مجال تصفية واستخلاص غاز الإيثانول، يعيشون نشوة أيام ازدهار الإيثانول وتصاعد الطلب الزائف على هذه الطاقة البديلة نظرياً. غير أن هذه المغامرة، ستكون لها عواقبها بالغة الضرر والتكلفة على غالبية المواطنين الأميركيين خارج قطاع الطاقة البديلة هذه. وكما نعلم فإن مجلس الشيوخ يعكف الآن على وضع تشريع جديد، من شأنه توسيع إنتاج وزراعة الذرة المنتجة لغاز "الإيثانول" في المستقبل القريب. وقد صدر تشريع في عام 2005، نصّ سلفاً على إنتاج 7.5 مليار جالون من هذا الغاز، بحلول عام 2012، وتعادل هذه النسبة، حوالى 5 في المئة من إجمالي كمية الجازولين التي سيتم استخدامها بحلول ذلك التاريخ. وقد جاءت مبادرات حفز مصادر الطاقة البيولوجية هذه، نتيجة لدعم فيدرالي سخي، تقدر قيمته بـ51 سنتاً لكل جالون منتج من المزج بين الإيثانول والجازولين، مصحوباً بتعريفة جمركية قدرها 54 سنتاً فحسب على معظم جالونات الإيثانول، بقصد تشجيع استيراد الطاقة البديلة الرخيصة من الجارة الجنوبية البرازيل. لكن مع ذلك، فإن التشريع الجديد المقترح، يبرز أصدق مثال على إساءة توظيف الموارد المالية الثمينة في الأفكار الكاسدة البائرة. وبما أن الرئيس بوش قد حدد هدفاً يقضي باستبدال 15 في المئة من حجم الجازولين المستهلك محلياً، بموارد الطاقة البيولوجية البديلة –التي تشمل الإيثانول والوقود الحيوي (البيو ديزل)- خلال السنوات العشر المقبلة، فإن ذلك يتطلب حدوث زيادة مقدارها خمسة أمثال ما هي عليه طاقة البيوديزل المصرح باستخدامها في الوقت الحالي، أي بنحو 35 مليار جالون من هذه الموارد البديلة. وإذا ما أخذنا بمستوى وطاقة التكنولوجيا المستخدمة حالياً في هذا القطاع، فإن المفترض أن تستخلص كل هذه الموارد البديلة من محصول الذرة، خاصة وأنه لا يتوفر حتى الآن أي بديل عملي لهذا المحصول، لتحقيق الهدف الذي أعلن عنه بوش. والمشكلة أن تحويل نسبة الـ15 في المئة من البيوديزل المشار إليها آنفاً إلى واقع فعلي بديل، يتطلب توجيه الناتج الأميركي الحالي كله من محصول الذرة، لهذه الغاية وحدها. ويبقى فقط أن نضيف أن محصول أميركا من الذرة، يعادل نحو 40 في المئة من محصول الذرة العالمي كله. أما العواقب غير المقصودة وغير المحسوبة لخطوة كهذه، فتتجاوز كثيراً حدود إحداث تشوهات فحسب، في السوق العالمية بأسرها. وفيما لو لم نقف أمام هذه الرغبة الجامحة في تحويل الذرة من محصول لإطعام البشر وسد حاجتهم للغذاء أولاً، إلى وقود للسيارات والشاحنات، فإن من شأن ذلك أن ينجم عنه اضطراب غير مسبوق في العلاقة بين الآلة والإنسان. وعليه فليس مستغرباً أن تضاعفت أسعار الذرة في الأسواق، خلال العام الماضي، لترتفع من دولارين فحسب إلى أربعة دولارات للمكيال الواحد. وبوجه عام، فقد حدث ارتفاع ملحوظ في أسعار كافة المنتجات الغذائية، متأثرة بارتفاع الطلب العالمي على غاز الإيثانول، الذي يرفع بدوره الطلب العالمي على محصول الذرة. وحتى وقت قريب سابق لازدهار طاقة الإيثانول مؤخراً، كانت نسبة تزيد على 60 في المئة من إجمالي محصول الذرة الأميركي السنوي، تستخدم محلياً لعلف الدواجن والماشية، أو تستهلك في الصناعات الغذائية والمشروبات وما إليها. وكما نعلم فإن هناك آلافاً من صنوف الطعام، تستخدم فيها إما الذرة أو مشتقاتها. وفي دولة مجاورة مثل المكسيك، حيث تعد الذرة مصدر الغذاء الرئيسي، شهدت أسعار الخبز ارتفاعاً غير مسبوق، متأثرة بتحويل نسبة كبيرة من إنتاج الولايات المتحدة من الذرة لاستخلاص غاز الإيثانول. وبالنتيجة، فإن من شأن حدوث أية صدمات طارئة على إنتاجية الذرة، مثل موجات الجفاف أو ارتفاع درجات حرارة الطقس لأي سبب من الأسباب، أو تأثر المحصول بالآفات الزراعية وما إليها، أن تصل بأسعار الذرة إلى مدى لا يمكن تصوره مطلقاً. وعليه فإن الذي نقترحه في ظل غياب بديل محلي قليل التكلفة للذرة المطلوبة لإنتاج غاز الإيثانول محلياً، هو أن تكف الولايات المتحدة عن استخدام الذرة لتحقيق أهدافها الاستراتيجية المنشودة في مجال الطاقة، وأن تستورد غاز الإيثانول وغيره من مصادر الطاقة البديلة الأخرى، من الدول المجاورة والصديقة مثل البرازيل، إلى جانب رفع التعريفة الجمركية المفروضة حالياً على واردات البرازيل من هذه المصادر، وهي التعريفة البالغ قدرها الآن 54 سنتاً على الجالون الواحد من الإيثانول. وما لم تبنَ سياساتنا على أساس العلم والدراسات الاقتصادية، فإن المتضرر الأول والأخير منها هو المستهلك الأميركي والعالمي على حد سواء. كولين إيه. كارتر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ أستاذ الزراعة واقتصاديات الموارد في جامعة كاليفورنيا هنري ميلر ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ طبيب وزميل بمؤسسة "بروكينجز" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"