إنجازات "وهمية" في قمة "الثماني"... ومأزق حرب 1967 في إسرائيل بداية الاحتكاك الخشن بين رئيس الحكومة الفرنسية الجديد "فرانسوا فيون" ومنتقدي "الإصلاحات"، وما انتهت إليه قمة الثماني من "إنجازات" في مجال البيئة ودعم أفريقيا، ومأزق إسرائيل الذي نجم عن حرب 1967، موضوعات ثلاثة نضعها تحت دائرة الضوء في جولة سريعة في الصحافة الفرنسية. ----------- "إصلاحات" حكومة فيون: انتهى "شهر العسل"، وفتحت الصحافة الفرنسية النار على حكومة فرانسوا فيون. هذا هو الانطباع الذي تعطيه قراءة سريعة في لغة الافتتاحيات خلال اليومين الماضيين في تعليقها على الإصلاحات المقترحة من قبل الحكومة في مجال ساعات العمل، والضرائب، والبطالة، وغيرها من الهموم الاقتصادية- الاجتماعية التي جاء الرئيس نيكولا ساركوزي ووزيره الأول إلى السلطة محمولين على كاهل وعودها أصلاً. في افتتاحية بصحيفة لوفيغارو اعتبر نيكولا باريه أن إلغاء ساعات العمل الـ35 ربما كان أسهل بكثير من محاولات "فيون" إيجاد طريقة للف والدوران والخروج من الباب الخلفي، للتخلص من أزمة الإنتاجية التي يعاني منها الاقتصاد الفرنسي بشكل مزمن. فالسياسة الاقتصادية الفرنسية لا تقوم على حسابات صحيحة، لأن إنفاق المزيد من المال العام، والعمل لأقل وقت ممكن، لا يكفيان لكي يكون الرهان رابحاً، بكل تأكيد. أما المقترحات في مجال الضرائب، فأقل ما يمكن وصفها به هو أنها "صدمة ضريبية" حقيقية. وفي افتتاحية بصحيفة لومانتيه اعتبر موريس أولريك أن "معركة الأفكار" في مجال الإصلاح التي يشنها ساركوزي وفيون ضد "اليسار" الفرنسي، دخلت الآن مرحلة جديدة، وعلى رغم التنويع فإن النتيجة هي هي: زيادة الأغنياء غنى والفقراء فقراً. إنها "إصلاحات" ستكلف الأمة غالياً. فسيكون ثمة القليل من المال المخصص للخدمات العامة، والتعليم، والصحة، وسيكون طبعاً أقل ذلك القليل مخصصاً للضواحي ومناطق الظل الفقيرة. إنها إجراءات و"إصلاحات" تتنافى مع القيم التي قامت عليها فرنسا المعاصرة. أما في "لامونتان" فقد كتب "دومينيك فاليه" افتتاحية اعتبر فيها خطة الحكومة لإحداث إصلاحات اقتصادية جذرية رسالة موجهة ليس إلى الداخل الفرنسي، وإنما إلى المفوضية الأوروبية، وإلى صندوق النقد الدولي. وقد وصف الكاتب الإجراءات المعلنة حتى الآن بأنها تهدف إلى تقليل الإنفاق العام مع الحفاظ على التزامات الدولة، وهو طبعاً أمر متعذر في ظل عدم وجود موارد أو اقتصاد جديد. أما في صحيفة ليبراسيون فقد نشر "بيير لاروتيرو" –نائب أوروبي "اشتراكي"- و"أريك هالفن"، مقالاً بعنوان: "خرافات فيون"، طالبا فيه بمحاكمة رئيس الوزراء تحت طائلة المادة 97 من القانون الانتخابي الفرنسي التي تنص على سجن كل من ينشر أكاذيب للتأثير على المسار الانتخابي، وذلك لأن فيون دأب خلال الأشهر الماضية على بث ادعاءات "كاذبة" حول نجاح القانون الذي يحمل اسمه المتعلق بالتقاعد، ومدعياً أيضاً أن نسبة البطالة الآن في فرنسا منخفضة انخفاضاً لم تشهده منذ سنة 1983. ويلصق الكاتبان في مقالهما بـ"فيون" جميع الأوصاف الواقعة بين "الكذب" الفج و"التضليل" المقصود، في مؤشر على بداية صيف سياسي ساخن جداً، ولا يبدو أن التشريعيات ستكون هي أسخن ما فيه. قمة الثماني... والإنجازات الوهمية: صحيفة لوموند خصصت افتتاحيتها ليوم الجمعة (أول من أمس) لقمة الثماني التي انعقدت في "هليجندام"، مركزة بوجه خاص على الدور الكبير الذي لعبته المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل للتقريب بين مواقف ضيوفها السبعة، وخاصة أن القمة انعقدت وسط تجاذب روسي/ غربي حاد. ووصفت لوموند دبلوماسية "ميركل الوسيطة" –وهذا عنوان الافتتاحية- بأنها تمكنت من المزج بشكل فعال بين التواضع والصرامة والجاذبية الطبيعية. وفي افتتاحية صحيفة ليبراسيون نجد تركيزاً على حجم المنجز في مجال تقليص انبعاثات الغاز، خاصة منها رضوخ الرئيس الأميركي جورج بوش للانضمام إلى وعد تخفيضها من هنا وحتى 2050، هذا مع أن تراجع بوش ما زال محدوداً جداً، ولكن رمزيته تأتي من اعترافه ضمنياً بمسؤولية الإنسان عن الاحتباس الحراري. واعتبرت الصحيفة أنه مهما كانت تنازلات بوش فإن عهداً جديداً في المقاربة الدولية المناخية لن يرى النور سوى في عهد "ما بعد بوش". وفي "لاتريبين" اعتبر "باسكال أوبير" أن ما حققته قمة الثماني في مجال المناخ يمكن وصفه بكل شيء إلا أن يكون "انتصاراً" بيئياً. ووصف السياسة الأميركية الهروبية المتجاهلة لخطر الإحماء الحراري بأنها تشبه "سياسة النعامة". ولذا كان سهلاً إعطاء انطباع بتقديم تنازل وهمي للشركاء الأوروبيين الذين خطوا خطوة إلى الوراء متوهمين أن بوش خطا نحوهم خطوة إلى الأمام. من جانبها غطت مجلة لونوفل أوبسرفاتور لقاء الرئيس الروسي فلاديمير بوتين ورئيس الوزراء البريطاني توني بلير، وأبرزت بعنوان عريض تصريح هذا الأخير بأنه أخبر بوتين بأن "الناس في أوروبا عاودتها المخاوف اليوم من روسيا". كما غطت المجلة العمل الاحتجاجي الذي قاطع به ناشط روسي من منظمة "روسيا الأخرى" المعارضة، مؤتمر بوتين الصحفي الذي وصفه صارخاً بـ"عدو الحرية". وأبرزت المجلة أسباب الصراع الحالي بين الغرب وموسكو ابتداءً من قضية اغتيال ليتفيننكو، والدرع الصاروخي الأميركي، وسياسة ليِّ الذراع في مجال الطاقة التي تنتهجها روسيا، ومشكلة استقلال كوسوفو، وغيرها من قضايا جعلت أجواء الحرب الباردة تخيم على قمة الثماني هذه المرة. كما تناولت لونوفل أوبسرفاتور أيضاً إعلان القمة عن تقديم 60 مليار دولار لمساعدة أفريقيا مبرزة أن هذا الإعلان جاء فضفاضاً وغير مربوط بأي موعد، ولا بأية آلية، ودون ذكر لنسبة إسهام كل دولة، وهو ما جعل المنظمات غير الحكومية تقلل من شأنه وتعتبره مجرد كلام عائم موجه للاستهلاك الإعلامي، لا أكثر. ذكرى حرب 1967: مجلة الإكسبريس استعرضت دلالات الدعوة التي وجهها وزير الخارجية الفرنسي برنار كوشنر إلى فرقاء الأزمة اللبنانية للاجتماع في فرنسا من أجل إيجاد تفاهمات أو صيغ مناسبة من شأنها إعادة تعويم الحياة السياسية، والعادية أيضاً، في بلاد الأرز. وأبرزت المجلة الردود الإيجابية التي تلقتها باريس من "تيار المستقبل" بزعامة سعد الحريري، ومن "التيار الوطني الحُر" المعارض بزعامة ميشال عون، مؤكدة أن كل العيون في باريس معلقة الآن على رد "حزب الله"، الذي لم يبدِ لا رغبة ولا رفضاً للمشاركة، فيما هو معلن حتى الآن، على الأقل. وفي سياق آخر وفي مجلة لونوفل أوبسرفاتور كتب "رينيه باكمان"، رئيس تحرير الشؤون الدولية بالمجلة، مقال رأي بعنوان: "النصر الضائع في حرب الأيام الستة"، خصصه لاستعراض ما آل إليه الانتصار العسكري الساحق الذي حققته إسرائيل على حساب الدول العربية في مثل هذه الأيام سنة 1967، في حرب تعرف إسرائيلياً بـ"حرب الأيام الستة". وقد اعتبر "باكمان" أن إسرائيل وإن كانت انتصرت وضاعفت ثلاث مرات مساحة الأراضي التي تحتلها فقد وقعت فريسة لذلك الانتصار أيضاً. فقد تغوَّلت أكثر تيارات الصهيونية والاستيطان تطرفاً وتعصباً، وأصبحت كلمة المتطرفين هي العليا داخل إسرائيل، وظل هذا خطراً داخلياً يتهددها إلى الآن. ومن نتائج تلك الحرب الخاطفة أن غلاة المستوطنين أصبحوا يعتبرون المسألة "وعداً إلهياً" تحقق، وأنه لا راد لـ"القضاء والقدر" و"الإرادة الإلهية". وإذا تذكرنا الخطر الذي يشكله الاستيطان اليوم على استمرار عملية السلام، والشبح الديمغرافي الفلسطيني الذي ازداد بضم الضفة الغربية وغزة، إضافة إلى تعقد مشكلة القدس التي تم احتلالها كاملة في تلك الحرب، فإنه يمكن القول إن حرب 67 بقدرما كانت نصراً عسكرياً خاطفاً، كانت مأزقاً سياسياً واجتماعياً ما زالت إسرائيل لم تعرف كيف ستخرج منه إلى الآن. إعداد: حسن ولد المختار