حدثان وقعا مؤخراً في كوبا يُبرزان حالة عدم اليقين التي تطبع نظام مرحلة ما بعد كاسترو. في أواخر أبريل الماضي، التقى فيديل كاسترو العليل بـ"وو جوانزينغ"، العضو رفيع المستوى في الحزب الشيوعي الصيني. وقبل ذلك بحوالى أسبوع، أصدرت أحزاب المعارضة، والكاثوليكيون، و"الديمقراطيون الاشتراكيون"، و"الليبراليون"، في خطوة نادرة ومحفوفة بالمخاطر، "اتفاق وحدة"، يتعهدون فيه بالنضال من أجل انتخابات حرة وانتقاء ديمقراطي لزعيم جديد لكوبا، وذلك بالرغم من أن المبادرات من هذا القبيل عادة ما تواجَه برد فعل قوي وحازم من قبل الحزب الشيوعي الحاكم. ويحدث كل هذا وسط استمرار التكهنات داخل كوبا وخارجها بشأن قدرة كاسترو على العودة إلى السلطة، التي نُقلت إلى شقيقه "راؤول" مؤقتاً أثناء فترة خضوعه للعلاج منذ عدة أشهر. وإذا كان "راؤول كاسترو" بيروقراطياً كفؤاً يمكن التعويل عليه، فإنه يفتقر إلى الكاريزما التي يتمتع بها شقيقه. وكانت صحيفة "جرانما"، التي تعد الصحيفة الرسمية للحزب، قد نشرت صورة لكاسترو رفقة المسؤول الصيني، يُعتقد أنها التُقطت لهما في المستشفى؛ وبدا فيها كاسترو الذي كان يرتدي بذلة رياضية واقفاً إلى جانب "وو". وقد أعلن مسؤولو الحزب أن علاج الزعيم الكوبي يمر في ظروف جيدة، وأنه سيعود للعمل قريباً. وفي هذا الإطار، يلفت المراقبون الكوبيون في الولايات المتحدة الانتباه إلى أنه لم تُنشر لكاسترو منذ دخوله إلى المستشفى أي صورة وهو يمشي، كما لم يُسمع صوته على التلفزيون أو الراديو. وإذا كان الكثيرون يعتقدون أن كاسترو هو الذي يكتب خطبه التي يلقيها مسؤولو الحزب نيابة عنه، فإن التكهنات تقول إن خطاباته تخضع لتدقيق وتمحيص كبيرين حرصا على ألا تخرج عن الخط الإيديولوجي للحزب. من جهة أخرى، مازالت المشاكل تلاحق الاقتصاد الكوبي المتضعضع من كل جانب؛ فقد كان محصول البلاد من السكر هذا العام دون المعدلات المعتادة؛ كما تراجعت السياحة بنسبة 7 في المئة. وإضافة إلى ذلك، مازالت كوبا تواجه نقصاً متواصلاً في النفط، حيث تعتمد، في الوقت الراهن، اعتماداً كبيراً على النفط الفنزويلي الذي يُباع لها بأسعار تفضيلية، إذ ينظر الرئيس الفنزويلي "هوجو شافيز" إلى كاسترو باعتباره رفيق السلاح. ومما زاد الطين بلة أن بعض محطات توليد الطاقة في كوبا أغلقت أبوابها بسبب الأضرار التي لحقتها جراء استعمالها للنفط الكوبي الذي يحتوي على كميات كبيرة من مادة السولفور الضارة. ونظرا لاشتداد الأزمة المالية التي تعانيها البلاد، يقوم النظام الكوبي أحياناً ببيع بعض من النفط الفنزويلي، المخصص للاستعمال الكوبي الداخلي، نظراً لحاجته الماسة إلى مداخيل لحل بعض من مشاكله المالية. وإذا كان الزعيم الفينزويلي هوجو شافيز من حلفاء كاسترو والمعجبين به، فإن بلدانا مثل إسبانيا، التي كانت صديقة للنظام الكوبي في وقت من الأوقات، باتت تُعبِّر اليوم عن قلقها وانشغالها بسبب القمع والاعتقالات التي يتعرض لها المعارضون والمدافعون عن الإصلاحات في كوبا. وفي هذا الإطار، بعث رئيسان بولنديان سابقان، هما "ليش فاليسا" و"ألكسندر كواسنيسكي"، في مارس المنصرم برسالة إلى الشعب الكوبي، تشير إلى تجربة بولندا في التخلي عن الشيوعية وتبني الديمقراطية، حيث جاء في الرسالة التي نُشرت في صحيفة "ميامي هيرالد" أن نموذج بولندا "شاهد على انتصار الاتفاق على الشقاق، والحوار على الصراع، والخير على الشر". وقالت الرسالة إن "وقت التغيير بات قريباً؛ وإن بوادر صحوة الديمقراطية في كوبا يمكن الإحساس بها حتى في بولندا. استمروا في المثابرة والتضامن، وتحلوا بالصبر والقوة، وكونوا مستعدين لبناء مستقبل مشترك لجميع الكوبيين حتى يصبح بلدكم الجميل صديقاً لجميع مواطنيكم، سواء الذين يقطنون اليوم في الجزيرة، أو أولئك الذين أُرغموا على الرحيل". وتمثل الجملة الأخيرة إشارة واضحة إلى الجالية الكوبية الكبيرة المنفية في مدينة ميامي الأميركية. وفي تحد واضح لنظام كاسترو، قالت الرسالة إن "عهد الطغاة وإدارة البلاد باتباع "الخط القويم الوحيد" بات قريباً من نهايته لأن المسيرة نحو الديمقراطية لا يمكن وقفها. ونحن في بولندا نعلم هذا الأمر أكثر من غيرنا". وقد تزامنت الرسالة مع الذكرى الرابعة لأعمال القمع التي تعرض لها المعارضون الكوبيون في إطار ما بات يُعرف بـ"الربيع الأسود"، الذي وصفته الرسالة بأنه "ضربة أخرى للمعارضة الديمقراطية". وتأسيسا على ما سلف، فيمكن القول إنه ما لم تكن كوبا استثناء شاذا للمآل الذي آلت إليه الشيوعية في أماكن أخرى من العالم، فإن التغيير إلى مرحلة ما بعد كاسترو آتٍ لا محالة. وقد جادلت الخبيرة الكوبية "جوليا سويج" في مقال لها نشرته دورية "فورين أفيرز" في وقت سابق من هذا العام بأن السلطة في كوبا قد انتقلت بالفعل وبنجاح إلى مجموعة جديدة من الزعماء "الذين تكمن أولوياتهم في الحفاظ على النظام والسماح في الوقت نفسه بإصلاح تدريجي للغاية"، إلا أنها توقعت أن "الناس لن يشعروا بوتيرة وطابع هذا التغيير في أغلب الأحيان". وختاماً، ربما يجدر بنا أن ننتظر لنرى ما إن كان حزم المعارضين الكوبيين وتصميمهم سيضاهي الحزم والتصميم اللذين فرض بهما كاسترو الشيوعية على كوبا منذ نحو خمسين عاماً. جون هيوز ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مساعد سابق لوزير الخارجية الأميركية في إدارة الرئيس ريجان ورئيس تحرير سابق لـ"كريستيان ساينس مونيتور". ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"