تلقت إدارة الرئيس بوش مطلع الأسبوع الماضي صفعة أخرى عندما أعلن قاضيان عسكريان، أثناء محاكمة أحد المشتبهين في تورطهما بالإرهاب، افتقادهما للولاية القضائية الضرورية لمقاضاة معتقلين في سجن جوانتانامو. ويبدو أن قرارهما يستند إلى أمور تتعلق بالمسطرة القانونية، ذلك أنه عندما أقر الكونجرس قانون إنشاء اللجان العسكرية في عام 2006، فقد خول للمحاكم العسكرية النظر فقط في قضايا "المقاتلين الأعداء غير القانونيين الذين ينتمون إلى دول أجنبية". والحال أن العنصرين المشتبه في انتمائهما للقاعدة "عمر خضر" و"سليم أحمد حمدان" سبق وأن مثُلا أمام محاكم خاصة تقوم بتحديد وضع المشتبه بهم في جوانتانامو، حيث قررت أنهما فقط "مقاتلين أعداء" من غير أن تضيف المحكمة صفة "غير قانونيين" في تحديد وضعهما. والنتيجة أن القاضيين في المحكمة العسكرية، قررا بأن البت في القضية هو خارج نطاق ولايتهما القضائية. ورغم أن الأمر قد يبدو مجرد إغراق في تفاصيل لا أهمية لها، فإن وراء رفض القاضيين النظر في القضية، يبرز التضارب الموجود في عملية تحديد وضع المعتقلين في سجن جوانتانامو. ففي عام 2001 اتخذت الإدارة الأميركية قراراً مثيراً للجدل، يقضي بالتعامل مع المشتبه بتورطهم في الإرهاب على أنهم "مقاتلون أعداء" في "الحرب على الإرهاب"، بدلاً من مقاضاتهم أمام المحاكم المدنية كمجرمين عاديين، وهو ما قاد إلى السجال الحالي حول المحاكم العسكرية والقرار الأخير للقاضيين. فالمعروف أن قتل الناس العاديين هو جريمة يعاقب عليها القانون، لكن قانون الحرب يعترف بأنه في النزاعات المسلحة من الطبيعي أن يسعى المقاتلون في طرف ما إلى قتل آخرين في الطرف المقابل. وإذا ما تعرضوا للأسر فإنه يحتفظ بهم إلى غاية انتهاء الحرب ولا يحاكمون بتهمة جرائم القتل، لأنهم يتمتعون بحصانة المقاتل، إذ من الطبيعي أن يسعى الجندي إلى القتل. لكن عبارة "مقاتلين أعداء غير قانونيين" التي يحلو للرئيس بوش استخدامها كلما عنَّ له ذلك تخلط ،بين مفهومين مختلفين لقانون الحرب. يتعلق الأول بالظروف التي تجعل المقاتل يفقد بموجبها حصانته كقتله للمدنيين على سبيل المثال، وهو ما يعرضه للمحاكمة بتهمة ارتكاب جرائم الحرب. وفي هذا الصدد يمكن اعتبار عبارة بوش المفضلة "مقاتلون أعداء غير قانونيين" باعتبارها تحيل فعلا إلى جرائم من هذا النوع تنزع الحصانة عن المقاتلين وتجعلهم غير قانونيين، بمعنى أنهم لا يتمتعون بنفس الضمانات القانونية التي يخولها قانون الحرب "للمقاتلين الأعداء". لكن بوش يخلط هذا المفهوم مع آخر يختلف عنه تماماً، إذ تنص اتفاقية جنيف على أنه في حال لم يلتزم المقاتلون بالتقيد بمجموعة من القواعد، مثل عدم ارتدائهم للزي العسكري، فإنهم لا يعاملون كأسرى حرب في حال اعتقالهم، وهي النقطة التي درج الرئيس بوش على إبرازها لتبرير قراره بعدم تخويل المعتقلين الحقوق التي تضمنها اتفاقية جنيف. بيد أن عدم ارتداء الزي العسكري لا يعد جريمة وفقاً لقانون الحرب، وإلا فستعتبر القوات الخاصة الأميركية التي لا يرتدي أفرادها زياً عسكرياً مجرمي حرب، بالإضافة إلى المدنيين الذين يحملون السلاح للدفاع ضد القوات الغازية. وبالرجوع إلى معتقلي جوانتانامو نجد أن الإدارة الأميركية قد أنشأت في عام 2004 محاكم خاصة تحدد وضعية المعتقلين، وذلك لمعرفة ما إذا كان المئات من المعتقلين الذين تم ترحيلهم إلى جوانتانامو تنطبق عليهم أصلا صفة المتشبه بهم، أم أنهم اعتقلوا خطأ. ولم تحدد المحكمة ما إذا كان "المقاتلون الأعداء" تنطبق عليهم صفة "غير قانونيين"، وكما لاحظ أحد القضاة في تلك المحاكم ينطوي تعريف "المقاتلون الأعداء" على معاني فضفاضة، بحيث يمكن إدراج المدنيين الذين لم يشاركوا في العمليات القتالية في خانتهم، وهو ما حدا بالقضاة إلى إعلان افتقادهم للولاية القضائية للحكم على المتهمين. وبقراءة متأنية لقرار القضاة يبدو أنهم أدركوا مناورة إدارة الرئيس بوش في الحصول على الكعكة كاملة، بحيث تسعى إلى إدراج جميع المتهمين في خانة "المقاتلين الأعداء" في حربها على الإرهاب، وفي الوقت نفسه محاكمتهم لأنهم يسعون إلى قتل القوات الأميركية في تلك الحرب. والحال أنه لا يمكن الحصول على الأمرين معاً، فإذا تعاملنا مع عناصر "القاعدة" باعتبارهم مقاتلين، فإن إقدامهم على قتل الجنود الأميركيين، ربما لا يمكن التعاطي معه على أنه جريمة، أو خارج نطاق القانون. روزا بروكس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتبة ومحللة سياسية أميركية ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"