يعبث العديد من مناهضي الحرب في العراق بفكرة الهزيمة الأميركية، بل هناك من يراها قادمة لا محالة، ويقترح التدابير التي تجعلها أكثر احتمالاً. لكن من يعترف بالرصانة الفكرية لمثل هذه الأطروحات، أو يضفي عليها الشرعية فإنه يستند إلى قراءة مغلوطة ومريحة لحرب فيتنام. فحسب مناهضي الحرب لم تعانِ الولايات المتحدة من آثار دائمة حتى بعدما خرجت من فيتنام وهي تجر ذيول الخيبة والهزيمة. فقبل سنوات عديدة برز رأيان مختلفان حول ما إذا كانت السياسة الأميركية في الهند الصينية تنطوي فعلاً على جانب من الحكمة والأخلاق، لاسيما في كمبوديا. وللتعبير عن هذه المواقف المتباينة أصدر أحدنا (شوكروس) كتاباً بعنوان "النظرة الجانبية"، وجه فيه انتقاداً لاذعاً إلى إدارة الرئيس نيكسون، أما الآخر (رودمان)، وهو أحد مساعدي "هينري كيسنجر"، فكتب مقالاً في صحيفة "أميركان سبيكتايتر" يرد فيه على "شوكروس" ويدافع عن السياسة الأميركية. وبعد مرور عدة عقود على تلك المرحلة من التاريخ الأميركي، مازلنا على آرائنا، لكننا مع ذلك كنا متفقين على أن النتيجة التي انتهت إليها الحرب كانت بالفعل كارثية، عكس ما يذهب إليه مناهضو الحرب في العراق لتبرير الهزيمة. واليوم نتفق أيضاً على أن نتائج الهزيمة في العراق ستكون مريعة وستستمر تداعياتها لفترة طويلة. فقد أدى انتصار الشيوعية في الهند الصينية عام 1975 إلى ارتكاب صنوف الفظائع في المنطقة، حيث قتل "الخمير الحمر" ما بين مليون ومليوني شخص في كمبوديا عبر تصفيات جماعية تحت تبريرات أيديولوجية. وفي فيتنام ولاوس، أقيمت معسكرات لإعادة التأهيل مورست فيها أنواع القمع والتنكيل، وهو ما أدى إلى فرار ملايين الأشخاص. وكان لتلك الهزيمة أثر بالغ من الناحية الاستراتيجية، حيث سارع "ليونيد بريجنيف" إلى الإعلان بأن تحالف القوى في العالم بدأ يميل لصالح الاشتراكية، مطلقاً العنان لاكتساح جيوستراتيجي قاده السوفييت في العالم الثالث لعقود عدة. ولعل غزوهم لأفغانستان كان أحد النتائج المباشرة لهزيمة فيتنام. لكن في المقابل برزت بعض العوامل التي خففت من حدة الهزيمة؛ مثل الاختراق الذي حدث في العلاقات الأميركية- الصينية بقيادة نيكسون وكيسنجر، والذي ساهم في موازنة قوة موسكو وهانوي في جنوب شرق آسيا. وعلى رغم الهزيمة الأميركية في فيتنام عام 1975، فإن التواجد الأميركي في الهند الصينية، والذي دام زهاء عشر سنوات، لم يمر دون أن يخلف آثاراً إيجابية. وقد عبر عن ذلك "لي كوان يو"، رئيس وزراء سنغافورة وقتها، مؤكداً أن الأمور كانت ستسوء أكثر لو لم تتدخل الولايات المتحدة في الهند الصينية، قائلاً "لو لم تبذل أميركا جهدها في المنطقة، لكانت دول جنوب شرق آسيا قد رضخت وتحولت إلى الشيوعية". وهو ما يعني أن حبات السبحة كانت ستكر الواحدة تلو الأخرى في المنطقة لتجتاحها الشيوعية. وإذ نراقب اليوم ما يجري في العراق علينا ألا يخالجنا شك في أن الهزيمة ستجر تكاليف باهظة. لكن من يعتقد أن هزيمة أميركية في العراق من شأنها أن تنهي الفوضى الحالية في البلاد وتضع حداً للصراع فهو واهم. فالهزيمة ستفرز شعوراً شديداً بالابتهاج والغبطة لدى جميع قوى التطرف الإسلامي في المنطقة، وهو ما سيقذف بمنطقة الشرق الأوسط برمتها في أتون الفوضى والاضطراب. وبالطبع لا يمكن تخيل الخسارة البشرية والاستراتيجية الفادحة التي ستترتب على الهزيمة الأميركية في العراق، وربما لهذا السبب يتجاهل النقاش الحالي الإشارة إلى تلك النتائج الكارثية. وعلى غرار الهند الصينية قبل ثلاثين عاماً، يرى الملايين من العراقيين مساعدة أميركا لهم في هزيمة خصومهم القتلة، الأمل الوحيد أمام بلدهم للخروج من مأزقه. فقد انضم مئات الآلاف من العراقيين للعمل معنا ومع حكومتهم المنتخبة ديمقراطياً لتمكين بلدهم من استعادة مكانته مجدداً ضمن عالم مسالم كدولة معتدلة تكون شريكة لدول الجوار بدل أن تكون خطراً يتهددها. لكن إذا ما قبلنا بمنطق الهزيمة، فسيتعرض هؤلاء العراقيون إلى خطر كبير، وسيتوجه الآلاف منهم خارج البلاد هرباً من الملاحقة، تماماً كما حدث في فيتنام عام 1975. وتشكل الاستراتيجية الجديدة لقوات التحالف، إلى جانب القوات العراقية بقيادة الجنرال "ديفيد بيتراوس"، الحل الأمثل لتغيير مسار الأحداث، شريطة أن نتجلد بقوة التحمل ونبقى لفترة أطول. إن هزيمة أميركا في العراق ستقوي من عزيمة المتطرفين في العالم الإسلامي، وقد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار في العديد من الدول الصديقة في المنطقة، فضلاً عن تنامي النظرة المتشددة للصراعات الأخرى في الشرق الأوسط. ولا ننسى أيضاً أن أداءنا في العراق يكتسي أهمية قصوى فيما يتعلق بمصداقيتنا، لاسيما في ظل الخطر الذي يلوح من إيران الثورية. وهذا بالضبط ما يخيف أصدقاءنا العرب والإسرائيليين الذين يتوجسون من الآثار السلبية للهزيمة الأميركية وتوسع النفوذ الإيراني في المنطقة. ولازلنا نذكر كيف أن المسؤولين الحكوميين الذين حذروا من عواقب الهزيمة في الهند الصينية على مصداقية أميركا، تعرضوا للسخرية من قبل المعارضين للحرب. لكن صدام حسين الذي غزا الكويت عام 1990 كان يتذرع بحرب فيتنام ليقنع مسؤوليه بأن الولايات المتحدة لن تقرب ناحيته. لذا لن تستطيع أميركا أن تكون قوية ضد إيران، أو في أي مكان آخر، إذا قبلت الهزيمة في العراق. بيتر رودمان ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مساعد سابق لوزير الدفاع الأميركي لشؤون الأمن العالمي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ويليام شوكروس مؤلف كتاب "الحلفاء: لماذا كان على الغرب الإطاحة بصدام؟" ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"