بثت إحدى القنوات الفضائية العربية الإخبارية في الأسبوع الأخير من شهر مايو 2007، مقابلة من حلقتين مع السيد الصادق المهدي إمام طائفة الأنصار وزعيم "حزب الأمة" السوداني. كانت المقابلة مفيدة في إطارها العام، خاصة من حيث قدرة السيد الصادق المهدي على التعامل مع الأسئلة التي طرحت عليه بحنكة سياسية واضحة وقدرة على توضيح الكثير من الأمور المبهمة في تاريخ السودان الحديث، في ما يتعلق بعلاقة "حزب الأمة" بشكل عام والصادق المهدي بشكل خاص، مع نظام جعفر نميري ومع النظام الحاكم حالياً. وربما أن الصادق المهدي لم يكن صريحاً بما فيه الكفاية، خاصة فيما يتعلق بالأسئلة التي أحس أنها "ملغومة" وتقف خلفها أجندات غير بريئة، وربما تعود تلك الطريقة في الإجابة إلى حنكة المهدي السياسية من جانب وإلى حساسية المواضيع التي تناولها من جانب آخر، وأن الوقت لم يحن بعد للكشف عن تفاصيلها الكاملة في هذه المرحلة. ورغم فائدة ما أدلى به الصادق المهدي، إلا أن المقابلة شابها أن المذيع المحاور لم يكن موفقاً في العديد من جوانبها، فكانت معلوماته عن السودان سطحية، وعن تاريخ الحركة المهدية قليلة، وعن شخصية الصادق المهدي ذاته تكاد تكون صفراً. وربما يتعجب القارئ من ذلك، ولكن من شاهد المقابلة، حتى من غير المتخصصين في السياسة أو في الشؤون السودانية، اكتشف مدى ضآلة محتوى بعض الأسئلة، واستخفافاً أو ربما جهلاً بشخصية رمز سياسي سوداني معاصر كانت ولا زالت، له باع طويلة في تسطير تاريخ السودان ما بعد مرحلة الاستقلال. من الأسئلة الغريبة وغير المهمة في مقابلة سياسية مع الصادق المهدي، ذلك السؤال المتعلق بالمصدر الذي يعيش منه زعيم "حزب الأمة" وإمام طائفة الأنصار، ورغم أن المهدي كان دمث الأخلاق وصبوراً وبادر بالإجابة على السؤال دون تردد، إلا أن الضيق من محاوره بدا عليه واضحاً من خلال خلجات وجهه وتعابيره وحركة يديه، وكأنه يقول في نفسه: أو تسأل الصادق المهدي من أين يعتاش ويعيل أسرته؟ والحقيقة أنني لا أعلم يقيناً لماذا طرح السؤال بتلك الطريقة الكاريكاتورية، فهل كان المحاور يريد أن يرينا أنه جريء في الحوار مع رجل بوزن الصادق المهدي؟ أم هل كان يريد أن يقول للسيد الصادق من أين لك هذا؟ أم أن هناك أجندة أخرى لديه ولا نعرفها نحن كمشاهدين؟ والواقع هو أنه ليس لدي إجابات على أي من تلك الأسئلة أو تفسير لها أو لماذا طرحت بتلك الطريقة، ولكن ما أريد أن أقوله هو، إن الصادق المهدي بالنسبة لأهل السودان ليس بالرجل العادي، رغم جميع الانقلابات العسكرية التي تعرض لها والإخفاقات السياسية القسرية التي مرت به، فالجميع يعرفون آل المهدي وتاريخهم في تأسيس السودان الحديث، ولا أريد هنا أن أدخل في تاريخ المهدية، ولكن من قادها هو جد السيد الصادق المباشر، ولنقس على هذه الحقيقة ما يمكن أن تمتلكه أسرة بهذا التاريخ وبهذا الحجم من خير في بلد لا زال بكراً وغنياً بأراضيه الخصبة وموارده الطبيعية. وعلى أية حال، فإن من يتبعون السيد الصادق المهدي من الأنصار يقدر عددهم بثلث شعب السودان، والسودان يقطنه ما يزيد على ثلاثين مليون نسمة، فلو كان عدد الأنصار وعدد مناصري "حزب الأمة" مجتمعين يصل إلى عشرة ملايين نسمة، وطلب زعيمهم منهم النصرة، فإن ما يمكن جمعه لن يقل عن عشرة دنانير للفرد في المتوسط، ولو قمنا بضرب ذلك في عددهم فإن حاصل الضرب سيكون 100 مليون دينار سوداني، ونحن نعلم كيف يعتزي أبناء القبائل العربية لشيوخهم وزعمائهم عند الضرورة، فالنخوة والانتصار للقبيلة شيمة عربية متأصلة في كافة أنحاء العالم العربي، والسودان لا يختلف كثيراً عن غيره من بلاد العرب. ومن جانب آخر لابد من التوضيح بأن لآل المهدي أملاكاً وأطياناً وممتلكات في كافة أنحاء السودان، فكيف يُسأل عميد آل المهدي وزعيم "حزب الأمة" وإمام الأنصار عن: من أين يعتاش؟ أهي السطحية أم عدم تقدير الأمور أم هي أشياء أخرى؟ وخلال المقابلة كان السيد الصادق المهدي متبسطاً مع ضيفه، ودوداً وكريماً في تلقيه الأسئلة والإجابة عليها، وهذا ليس بالغريب على سياسي محنك وصاحب خبرة طويلة في العمل السياسي، وتمرس في إقناع البشر بمعاني الحرية في التعبير عن الرأي، ولكن في نفس الوقت، فإن المحاور لم يكن بالمستوى المطلوب لمحاورة المهدي، ويبدو أنه استغل الموقف المتبسط الذي أبداه الإمام الصادق، وتحول إلى صاحب أسئلة محرجة لم نعهدها فيه عند تحاوره مع آخرين، خاصة سياسيين عرب آخرين من وزن الصادق المهدي، ولو كان قد فعل ذلك لكانت العواقب والنتائج مختلفة تماماً. وعلى أية حال، فإن هذه الحالة بالنسبة لمذيعي بعض القنوات الفضائية العربية ليست هي الوحيدة، وتتكرر إلى درجة غير محتملة، وكأن هامش الحرية المتاح أمامهم هو لإحراج من يحاورونهم وليس للحصول على معلومات تقود في النهاية إلى معرفة الحقيقة المجردة. فرفقاً بنا أيتها القنوات الفضائية من هذا العبث والجدل العقيم، ورفقاً بنا أيها المذيعون الأفاضل من طرح الأسئلة والإجابة عليها من جانبكم وليس من جانب المطروح عليهم تلك الأسئلة.