مازال الغرب هو الذي ينتج المفاهيم ونحن نشرحها. مازال الغرب يزهو علينا بأنه وحده القادر على التنظير المباشر للواقع وإنتاج المفاهيم والنظريات، في حين أننا مازلنا نعتمد على النصوص القديمة كحجة سلطة نفسر بها أوضاع العالم، وتحدد لنا موجِّهات السلوك. مازلنا نعتمد على الإيديولوجيات الجاهزة، الإسلامية أو القومية أو الليبرالية أو الماركسية، لتفسر لنا العالم، وتحدد لنا اتجاهات التحرك فيه. فقد أنتجت أميركا مفهوم "الفوضى الخلاقة". وتعني بها تفجير التناقضات في الوطن العربي والعالم الإسلامي بحيث يتفتت الكل، ويصبح كل جزء نقيض كل جزء كما هو الحال في القنابل العنقودية. فتتناثر الأجزاء وتتباعد بعد أن يصطدم بعضها ببعض آخر في اتجاهات عشوائية لا يمكن ضبطها مهما بلغت ضربات العصا للاعب الماهر. ويتحول الجسد العربي الإسلامي إلى شظايا يصعب جمعها من جديد في جسد واحد بعد أن تبتلع القوى النشطة في المنطقة بعضاً منها إلى غير رجعة، كما ابتلعت القوى الكبرى ممتلكات الدولة العثمانية بعد هزيمتها في الحرب العالمية الأولى، وابتلعت روسيا القيصرية في القرن التاسع عشر ثم روسيا الاشتراكية الجمهوريات الإسلامية في أواسط آسيا بعد ثورة أكتوبر 1917. ومازالت ظواهر التفتيت والتقسيم للإمبراطورية العثمانية أمراً قائماً. وظن العرب أن القومية العربية هي البديل عن دولة الخلافة تحميهم من التقسيم فاحتلت بلاد العرب. واستبدل العرب بالسيد الإسلامي السيد الغربي. ولم تستطع الجامعة العربية إعادة جمع الأقسام إلا على مستوى النظم السياسية المتناقضة فيما بينها. ولم تستطع القومية العربية كحركة تحرر وطني إلا تحرير الأوطان بمساعدة الشقيقة الكبرى. وبعد هزيمة يونيو- حزيران 1967 لم تستطع القومية العربية حماية الشقيقة الكبرى ولا فلسطين ولا سوريا ولا لبنان. واحتلت فلسطين كلها، نصفها في العصر الليبرالي في 1948، والنصف الآخر في المد القومي في 1967. ثم وقعت حرب الخليج الأولى، وظهر التناقض المفتعل بين القومية العربية التي احتج بها العراق والثورة الدينية في إيران. ثم وقعت حرب الخليج الثانية. وتحولت القومية العربية من مدافع عن الأوطان إلى محتل لها. بدأت التناقضات الهدامة في التناقض بين المقاومة الفلسطينية والنظم السياسية العربية كما حدث في "أيلول الأسود" في الأردن عام 1970. ظهر التناقض بين المقاومة كحركة شعبية والنظام السياسي كدولة مستقلة تفرض سيادتها على مجموع أراضيها. وهو التناقض الذي ضحى عبدالناصر بحياته من أجل حله والتخلص منه في نفس الشهر عندما أراق العربي دم العربي. ثم وقع تناقض آخر بعد إنشاء السلطة الفلسطينية إثر "مؤتمر مدريد" و"اتفاق أوسلو" بين فصائل المقاومة والسلطة الجديدة، بين الثورة والدولة. وكلاهما شرعيان. ثم وقع التناقض بين أهم فصيلين للمقاومة، "فتح" و"حماس". أراق فيها الفلسطيني دم الفلسطيني. ومازال الوضع متفجراً. وتسيل الدماء بعد أن تفشل محاولات إيقاف النزيف في مكة المكرمة والقاهرة. وحاول البعض إيقاع التناقض بين "المقاومة" والدولة اللبنانية في حرب تموز- يوليو العام الماضي. فقد دمر لبنان بسبب خروج "المقاومة" على شرعية الدولة، حربها وسلامها ومبادرتها واستقلالها. ولم يشفع لها رصيدها السابق في تحرير الجنوب. ثم يقع تناقض ثانٍ الآن بين ميليشيا "فتح الإسلام" والجيش اللبناني ظهر بعد طول صمت. وأراق العربي دم العربي. وبصرف النظر عن المقاومة في لبنان يقع تناقض أشمل داخل لبنان بين قوى 8 آذار وقوى 14 آذار. وينزل الفريقان إلى الشارع للاعتصام وللاصطدام. فيسيل الدم اللبناني بيد اللبناني، وتشل الحياة السياسية. فريق ضد المحكمة الدولية بدعوى احترام لسيادة لبنان. وآخر مع المحكمة الدولية لإدانة سوريا كمقدمة للهجوم عليها وتصفية نظامها. فسوريا هي الجسر بين إيران ولبنان. فقد نجح التهديد الأميركي بإخراج القوات السورية من لبنان. ومازال التهديد موجهاً إلى سوريا حتى يقل تأثير إيران في الوطن العربي، سوريا والعراق ولبنان. فسوريا "راعية الإرهاب" –وفق التوصيف الأميركي- في لبنان، وإيران مورد السلاح الرئيسي إلى "حزب الله" في جنوب لبنان. ويقع تناقض آخر بين المقاومة الفلسطينية والعراق عندما أيدت المقاومة حرب الخليج الثانية والعدوان العراقي الغاشم على الكويت. وفي صراع العراق وإيران كانت المقاومة الفلسطينية مع الثورة في إيران في بدايتها. وكان من الصعب عليها أن تأخذ موقفاً في صف هذا الفريق أو ذاك. وبعد مرحلة الرومانسية الأولى في الثورة والمقاومة الفلسطينية عادت الحسابات السياسية، التي قد تخطئ أو تصيب، في الانحياز إلى أحد طرفي التناقض، وهو العراق. وهذا اختيار ضمن اختيارات. وظهر التناقض بين ما تبقى من نظم قومية والوجود الفلسطيني في دول عربية أخرى كانت تحمل شعار القومية العربية. فعلى العمال الفلسطينيين الرحيل إلى الدولة المقاومة التي لم تقم بعد، ومازالت أقرب إلى الخيال منها إلى الواقع، وإلى الوهم منها إلى الحقيقة. وموريتانيا تعترف بإسرائيل وتقيم علاقات دبلوماسية معها، وهي ليست من دول الجوار بناء على ضغوط أميركية لإيقاع التناقض داخل الشعب الموريتاني بين مقاومة التطبيع وأنصاره، كما وقع التناقض في جيش عليّ بين رفض التحكيم وقبوله. ثم تـُفتح مكاتب اتصال أو مكاتب تجارية في بعض الدول الأخرى بحجة التجارة أو عودة اليهود المغاربيين إلى أوطانهم. كما يقع التناقض بين الشقيقة الكبرى والفلسطينيين المقيمين حول صعوبات الإقامة، والحصول على تأشيرات الدخول، وتحديد النشاط السياسي أسوة بنشاط المعارضة من المصريين. وتمتد التناقضات الهدامة خارج نطاق فلسطين ودول الجوار إلى تناقضات طائفية ومذهبية وعرقية في شتى أرجاء الوطن العربي، بين أكراد وتركمان وعرب في العراق، وبداية التطهير العرقي والترحيل. وعرب وبربر في دول المغرب العربي. وسُنة وشيعة في العراق وباقي دول الخليج. ومسلمين وأقباط في مصر. ودروز وأكراد وعلويين وسُنة في سوريا. وموارنة وسُنة وشيعة في لبنان. وبين شماليين وجنوبيين في اليمن، زيدية وشوافع. وشماليين وجنوبيين، وشرق وغرب، في السودان حتى يبقى القلب وحيداً بلا أطراف. وفي بقية الدول العربية بين تقليديين ومجددين، محافظين وليبراليين. وقوميين وإسلاميين وقُطْريين. وقبائل متناحرة على الجوع والجفاف في إريتريا والصومال، والحبشة لهما بالمرصاد. لا يحمي العرب من هذه التناقضات الهدامة إلا وحدة الأوطان والولاء الوطني. فالوطنية هي الحل بصرف النظر عن تعدديتها العرقية والطائفية والمذهبية. ولما كانت حدود الأوطان –في رأيي- حديثة من بقايا الاستعمار القديم، فإن القومية العربية قد تكون هي الحل للمِّ شمل الوطن العربي، ورفع التناقضات الهدامة فيه كما كان الحال في المد القومي العربي في الخمسينيات والستينيات وكما جسدته الناصرية، أكبر تجربة قومية في تاريخ العرب الحديث قبل الوحدة اليمنية بين شطري اليمن. وقد يكون التجمع الثقافي هو الحل، الثقافة الإسلامية التي جعلت الوطن العربي بؤرة عالم إسلامي أوسع يتبرك به ويسعى إليه لتعلم اللغة والثقافة والتراث المشترك. وقد تكون التجمعات الإقليمية هي الوسيلة لحماية الوطن من التفتيت والتمزق لحماية المنطقة من التجزئة الداخلية والعدوان الخارجي. وتتطلب هذه البدائل الوحدوية كلها خيالاً سياسياً قادراً على تجاوز الواقعية السياسية المُرة التي هي أقرب إلى الاستسلام منها إلى المقاومة. يتطلب نخبة ثورية جديدة بدلاً من النخب التي طال عليها الزمن أو إرادة شعبية قوية تفرض نفسها على مسار الأحداث.