"لابد وأن هناك من يحاول إلهاءنا عن قضايانا الأساسية بمثل هذه الفتاوى"، عبارة تتردد من البقية الباقية من العقلاء الذين لا يزالون يجرؤون على الكلام، أو لا يزالون يعتقدون أن للكلام جدوى وفائدة. ترددت في الأسابيع الماضية فتوى تتعلق برضاعة الكبار درءاً للخلوة بين العاملين والعاملات في أماكن العمل، أعقبتها حواجب مرفوعة، وشفاهٌ مقلوبة، ومقالات تسخر، ورسومات تهزأ، وأمة تراجع صحة الفتوى وصدقها!! تزامنت تلك الفتوى بأخرى حول بول الرسول صلى الله عليه وسلم وحول ما إذا كان الصحابة يتبركون به!! فتاوى أخرى كانت قد ظهرت في هذا الزمان العجيب تحرِّم قيادة المرأة للسيارة، وأخرى تحرِّم تصويت المرأة في البرلمان، وفتوى تحرِّم ترشيحها، واختلف "الفقهاء" حول توليها منصب القضاء، بين محرِّم ومحلِّل وكارهٍ وغير محبِّذ .. من الجدير بالذكر أن فتاوى لا تزال قائمة تحرم تعليم المرأة وعملها، ناهيك عن تلك التي تحرم التعليم المشترك، وفتاوٍ تحرم تعليم المرأة علوماً معينة وتجيز لها تعلم علوم محددة. الملاحظ أن معظم الفتاوى "الجدلية" تتعلق بالمرأة: فمن الرضاعة إلى القيادة فالولاية والتعليم... إلخ. مع تكاثر الفتاوى يلح السؤال: من هو المُخول بالفتوى؟ سيقولون لك العلماء، فيأتي سؤال آخر: ومن هم العلماء؟ وما هي المعايير التي تحدد لك أن هذا عالم وذاك جاهل؟ سيقولون لك الفقهاء. فيطرح سؤال آخر نفسه وبقوة: ما هي مواصفات الفقيه؟ ومن هي الجهة التي تحدد أن هذا فقيه وبأن ذاك "متفيْقِه" لا يفقه من الفقه شيئاً؟ في الكويت، ثارت أزمة قادها "فقهاء" ومتفيْقهون برفض قرار مجلس الوزراء بتحويل العطلة الأسبوعية من الخميس والجمعة إلى الجمعة والسبت. المعارضون يرفضون التعطيل يوم السبت لأن في ذلك تشبهاً باليهود!! صمتت الحكومة الكويتية صمت الحملان إلى المذبح، لم يخرج حتى الآن ناطق يدافع عن قرار الحكومة، والناس تنتظر فتوى تجيز تعطيل السبت أو موقفاً حكومياً يدفع بأن قرار الحكومة لصالح البلاد والعباد. تكاثر الفتاوى في هذا الزمان العصيب يعود لسببين أساسيين: غياب العقل وغياب الدولة. السبب الأول بحاجة إلى كتب وصحائف لن تطوى تشرح وتشخص غياب العقل العربي منذ انتهاء عصر المعتزلة حتى يومنا هذا. من ناحية أخرى، فإن غياب الدولة المدنية التي يلجأ إليها الناس، قد سده فقهاء الرضاعة ومحرمو تهادي الزهور، فلو كانت الدولة المؤسسية الراشدة حاضرة في عالمنا، وتقرِّر وتدافع عن عصرية وعقلانية وبراجماتية قراراتها، لما احتاج الناس للفقهاء والمتفيْقهين، والفتاوى المُضحكة التي لا يتقبلها عقل ولا عاقل. الدولة في عالمنا غائبة، فلا هي دينية ولا هي مدنية، وسمتها المواءمة من أجل البقاء، فهي تارة مدنية في مظهرها الخارجي لتمويه العالم الخارجي، وتارة هي فقيهة تزايد حتى على أعتى المتخلفين تخلفاً. هذه الضبابية في هوية الدولة هي التي تدفع الناس دفعاً نحو الجدل "العبيط" حول فتوى هذا الفقيه أو ذاك، وهي التي أدخلتنا في تفاهات وترّهات المتخلفين من المحيط إلى الخليج. أجواء الدولة الدينية التي سمت أجواء دولنا الفاقدة للهوية، هي السبب وراء انتشار الفتاوى السخيفة، فلو كانت الدول لدينا قد حسمت أمرها، وأعلنت مدنيتها، وطلقت لغة المزايدة على المتخلفين، لما ضاع المواطن المسكين بين الفتاوى وبين القرارات، بين الحاضر والماضي، ولما استمرت هذه الحالة من الانفصام في التعامل مع معطيات الواقع، ولتوقف الانشطار نحو ماضي الأكاذيب، ومعايشة حاضر الإنترنت. استمرار غياب العقل، وغياب الدولة المدنية، ضمانة أكيدة لفتاوٍ أقل ما يقال عنها أنها مضحكة، لكنها للأسف مضحكة مُبكية في الوقت نفسه.