أخيراً، وبعد ثلاثة عقود من العداء المتبادل والتهديدات المباشرة والتنابز بالألقاب، دخلت الولايات المتحدة وإيران، خلال الآونة الأخيرة في حوار بَناء، بخصوص بواعث قلق كل واحدة منهما في الشرق الأوسط. ولكن سرعان ما حلت الاتهامات المتبادلة المعتادة محل التفاؤل الذي أعقب هذه المحادثات. ومع ذلك، فلا يسع المرء إلا أن يطرح التساؤل التالي: هل يمكن للولايات المتحدة وإيران، بعد كل هذه السنوات، أن تكونا بصدد الانتقال ببطء نحو علاقة أكثر دبلوماسية أو حتى تقارباً؟ دعونا لا نستبق الأحداث. فلكي يحدث ذلك، سيتعين على إيران أن تستوفي بعض الشروط، ومن ذلك الكف عن تزويد "حزب الله" بالأسلحة، والكف عن التدخل في الصراع الإسرائيلي- الفلسطيني. كما سيتعين عليها أن تضطلع بدور بناء في جهود إرساء الاستقرار بالعراق. وبالمقابل، سيتعين على الولايات المتحدة أيضاً أن تستوفي عدداً من الشروط قبل أن يمكن اعتبارها شريكاً موثوقاً به في المفاوضات، وفي مقدمتها تخليها نهائياً عن سياستها الساعية إلى تغيير النظام في إيران. ذلك أن هذه السياسة لم تؤدِّ سوى إلى تقوية نظام رجال الدين في إيران، وتسريع البرنامج النووي، وتبرير قمع واضطهاد المعارضة السياسية، وتغذية جنون الارتياب لديها من تهديدات داخلية وخارجية. فهذه السياسة هي التي تبرر في الواقع اعتقال إيران لأربعة أميركيين إيرانيين -صحفي، وعالم اجتماع، وأكاديمي، وناشط سلام- اتُّهموا جميعهم بالتجسس لصالح الولايات المتحدة. مما لاشك فيه أنها اتهامات غير معقولة؛ غير أن إيران تدافع عن تصرفاتها عبر الربط بين هؤلاء الأشخاص وقرار الرئيس بوش الأخير القاضي بالقيام بعمليات سرية كتوظيف المنفيين والمهاجرين الإيرانيين الذي يعيشون في الولايات المتحدة للتشجيع على ثورة ضد نظام الملالي. أكثر ما يثير السخرية بطبيعة الحال هو أن التخلي عن تغيير النظام في إيران هو الطريقة الأمثل والأكيدة لضمان انهيار النظام. أما تفسير ذلك، فيتمثل، وخلافاً لما يعتقده الكثيرون، وخلافاً أيضاً لمعظم بلدان الشرق الأوسط، أن إيران تتوفر على تقاليد ديمقراطية طويلة ومترسخة تعود إلى أكثر من قرن، فمنذ 1980، شهدت إيران أكثر من عشرين عملية اقتراع -تميزت بنسب مشاركة مكثفة للناخبين تراوحت ما بين 60 في المئة و80 في المئة. صحيح أن المنظمات المدنية الإيرانية تعمل في ظل الحكم السلطوي لحكومة ظل غير منتخبة. ولكنني عندما أتحدث مع الإيرانيين حول مشاكلهم، فإن قلة قليلة منهم فقط هي التي تشير إلى القيود التي تفرضها الجمهورية الإسلامية على حريتهم. أما مصدر الانشغال الأول في البلاد، فهو ركود الاقتصاد؛ ذلك أن نحو ثلث السكان يعاني البطالة؛ كما أن نحو 40 في المئة منهم يعيشون في الفقر في وقت تبلغ فيه نسبة التضخم السنوي 24 في المئة. ونتيجة لذلك، فإن قلة قليلة من الإيرانيين فقط هي التي تتوفر على الوسائل التي تمكنها من ترجمة نشاطها السياسي المتطور إلى إصلاح ديمقراطي مهم. إذا عاملت الولايات المتحدة إيران بالطريقة نفسها التي تعامل بها "الديمقراطيات السلطوية" الأخرى في أميركا اللاتينية وأوروبا الشرقية والكتلة السوفييتية السابقة، فإن من شأن ذلك أن يشجع على إحداث تغير ديمقراطي بشكل أفضل من أي شيء آخر تمت تجربته حتى الآن. ثم إن الدرس الذي ينبغي استيعابه من مغامرة الولايات المتحدة في العراق هو أن الديمقراطية لا يمكن تشجيعها من الفوق نحو الأسفل؛ وإنما ينبغي رعايتها وتشجيعها من الداخل. والواقع أن إيران تتوفر على البنية التحتية المدنية والديمقراطية اللازمة لحدوث تغير سوسيو- سياسي كبير؛ غير أن هذه المؤسسات لا يمكنها أن تفرض نفسها إلا إذا سُمح للإيرانيين بالخروج من العزلة السياسية والاقتصادية المفروضة عليهم. ثم إن من شأن سحب فكرة تغيير النظام أيضاً تمكين الولايات المتحدة من التعامل بفعالية أكبر مع برنامج إيران النووي. فالمرجح هو أن الزعماء الإيرانيين لا يرغبون في سلاح نووي نظراً لكلفته الباهظة وأخطاره الأمنية الكبيرة. ولكنهم يرغبون في أن تتاح لهم إمكانية تطويره بسرعة، إن اقتضى الأمر ذلك. ولم لا؟ فقد تعلمت إيران درساً قيماً من زميلتيْها في "محور الشر": إحداهما لم تكن تتوفر على أسلحة نووية وسُحقت من قبل الجيش الأميركي؛ والأخرى تتوفر على أسلحة نووية ويغدق عليها المال بغية التخلي عنها. والواقع أنه كلما أصرت الولايات المتحدة على أن تقوم إيران بتعليق تخصيب اليورانيوم قبل البدء في المفاوضات الدبلوماسية، كلما ازداد برنامج إيران النووي تصلباً وتعنتاً. غير أنه ما زال ثمة الكثير من الوقت لضمان ألا يتحول برنامج إيران المدني إلى برنامج عسكري -ولكن فقط في حال أمكن إقناع إيران بأنها خارج لائحة الدول المهددة بتغيير أنظمتها. رضا أصلان مؤلف كتاب "No god but God: The origin, Evolution & Future of Islam" (لا إله إلا الله: أصل وتطور ومستقبل الإسلام) ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست"