أصبحت "هيلاري كلينتون" أحد الوجوه السياسية البارزة في الحياة الأميركية العامة، بعد أن استطاعت برفقة زوجها "بيل كلينتون"، ارتقاء سلم النجاح السياسي وضمان موقع ريادي لنفسها في الرقعة السياسية الأميركية، فشل العديد من الرجال في بلوغه. غير أن صعودها اللافت وتبوؤها مناصب رفيعة، انطلاقاً من ولاية أركانسو عندما كان زوجها حاكماً هناك، وليس انتهاء بدخول الكونجرس كعضو في مجلس الشيوخ عن "الحزب الديمقراطي"، لم يكن سهلاً، بل أثار جدلاً في الأوساط السياسية ودوائر الرأي العام الأميركي. ولعل ترشحها الأخير عن "الحزب الديمقراطي" لخوض الانتخابات الرئاسية، يشكل آخر حلقة في سلسلة التقدم السياسي الذي لم تتقاعس عن ملاحقته منذ بدايتها الأولى. هذا المشوار السياسي الحافل للمرأة الأميركية الأكثر حضوراً في الشأن العام، هو ما دفع "كارل بيرنشتاين"، الصحفي الأميركي الفائز بجائزة "بوليتزر" المرموقة في الولايات المتحدة، إلى تسليط الأضواء الكاشفة على "هيلاري كلينتون" في كتابه الصادر مؤخراً بعنوان "امرأة في موقع المسؤولية". والكتاب عبارة عن تسجيل للسيرة الحياتية للسيناتورة "الديمقراطية" في مجلس الشيوخ والمرشحة في الانتخابات الرئاسية، من وجهة نظر الصحفي المهتم بالحقل السياسي والمتتبع لمسيرة "هيلاري كلينتون" طيلة السنوات السابقة. لكن المؤلف، وبعيداً عن محاولات التودد للمرشحة الرئاسية، أو التركيز على مناقبها وإنجازاتها، يبسط فكرته الأساسية التي تقول إن هيلاري كلينتون امرأة سعت على الدوام إلى إخفاء طبيعتها الحقيقية وإبقائها مطمورة وراء حجب كثيفة من التستر بغرض تحقيق المكاسب السياسية. فالمرشحة الرئاسية، حسب الكتاب، استطاعت أن تقف على رجليها في كل مرة تتعرض فيها لظروف صعبة، أو تطوِّح بها الحياة السياسية في الأزمات المعقدة. فهي مثلاً لم تنحنِ أمام العاصفة الهوجاء التي أثارتها علاقة زوجها الرئيس بـ"مونيكا لوينسكي"، ولم تهتز أيضاً أمام الفضائح المتتالية التي لطخت سمعتها لفترة من الزمن. ويبدو أن الصحفي "كارل بيرنشتاين"، يسعى من خلال الكتاب إلى الكشف عن تاريخ "هيلاري كلينتون" التي استطاعت كتابته بمداد جديد للمرة تلو الأخرى والنهوض من كبواتها، لتستأنف صراعها السياسي وتصل إلى هدفها. وفي هذا الإطار يصرح المؤلف قائلاً: "إن هذه المرأة التي أخفت حياتها ومازالت تقوم بذلك، يسعى هذا الكتاب لكشفها وإماطة اللثام عنها". ومن خلال تتبعه لمسار "هيلاري" طيلة السنوات السابقة، يقول المؤلف إن رحلتها الطويلة نحو النجاح بدأت بطفولة قاسية طغت عليها المعاملة السيئة في البيت إلى أن وصلت إلى الكونجرس الأميركي. وللقيام بذلك تحدث المؤلف إلى حوالى 200 شخصية قريبة من "هيلاري كلينتون"، فضلاً عن مستشاريها الخاصين الذين تثق بهم. ولعل أهم ما أبرزه المؤلف من خلال تتبعه لمسار "هيلاري كلينتون" هو الجهود الحثيثة التي بذلتها لإبقاء علاقات زوجها النسائية بعيدة عن الأعين حتى لا تؤثر على طموحها السياسي. وهنا يشير المؤلف إلى تلك الفضيحة المدوية التي زلزلت أركان البيت الأبيض أثناء فترة رئاسة زوجها، وكادت تعصف به بعد اكتشاف علاقته مع إحدى المتدربات. فعلى رغم الغضب والمرارة اللذين غشيا "هيلاري كلينتون" والحرج الشديد الذي أحسته أمام الرأي العام، فإنها ظلت متماسكة وقررت الوقوف إلى جانب زوجها، وهو ما تحول إلى تعاطف شعبي جارف حملها لاحقاً إلى الكونجرس. لكن المؤلف يربأ بنفسه عن الانخراط في تفاصيل العلاقة الغرامية، كما فعلت كتب أخرى، مسخراً الفضيحة المؤلمة لكشف شخصية "هيلاري" وتأكيد أطروحته بشأن قدرتها على التأقلم السريع وتغيير جلدها لتحقيق المكاسب السياسية. فمن أجل البقاء في دائرة الأضواء وتهيئة نفسها لأدوار مستقبلية، امتنعت "هيلاري" عن الموافقة على الطلاق الذي طلبه زوجها عندما وقع في حب امرأة أخرى، وهما في ولاية أركانسو، لأنها اعتبرت أن إنجازات زوجها السياسية لابد أنها تستفيد منها في مرحلة لاحقة. والأكثر من ذلك يشير المؤلف إلى أن "هيلاري" لدى التحاقها بالجامعة غيرت لونها السياسي، حيث انتقلت من "الحزب الجمهوري" الذي انتسبت إليه فترة من الزمن إلى "الحزب الديمقراطي" عندما أغرمت بالحركة الطلابية اليسارية في معظمها والمدافعة عن حقوق المرأة. ومع أن الكتاب تعرض لانتقادات من المؤيدين للمرشحة "هيلاري كلينتون"، معتبرين أنه يسعى إلى التعريض بها وإظهارها في صورة من يبحث عن الكسب السياسي بصرف النظر عن الاعتبارات الأخرى، فإن المؤلف يصر على أن هدفه الرئيسي ليس التجريح بقدر ما هو الكشف أمام الأميركيين عن الدوافع التي تحرك رئيسة بلادهم المحتملة. وفيما يتعلق بتهم نبش ماضٍ لم يعد قائماً، يرد المؤلف بأنه يرمي إلى إطلاع القراء المتعطشين إلى معرفة أدق التفاصيل عن المرشحة "الديمقراطية" على حقائق ظلت خافية مثل إخفاق "هيلاري" في اجتياز اختبار المحاماة في واشنطن، وهو ما دفعها إلى الانتقال مع زوجها إلى ولاية أركانسو. ومن بين القضايا الأخرى المهمة التي يثيرها المؤلف في الكتاب إدراك "هيلاري" أنه لكي تصل إلى قاعدة جماهيرية واسعة وتقترب أكثر من البيت الأبيض، عليها أن تخرج من قوقعتها التي جعلتها تظهر وكأنها غير صادقة في مشاعرها. وبخصوص هذا الموضوع يقول المؤلف: "إن إحدى أهم المشاكل التي تعيق مسيرتها السياسية هي الانطباع بعدم الصدق الذي تتركه لدى الرأي العام، وإذا ما نجحت في تخطي تلك العقبة فقد تكون أكثر قدرة على القيادة الفعالة". زهير الكساب الكتاب: امرأة في موقع المسؤولية المؤلف: كارل بيرنشتاين الناشر: هوتشينسون تاريخ النشر: 2007