تعتبر الهجرة، إلى جانب الحرب في العراق، إحدى أهم القضايا الخلافية بما تثيره من جدل واسع في السياسة الأميركية المعاصرة. فعلى رغم مشاعر العداء المتنامية ضد الولايات المتحدة في أنحاء عديدة من العالم، إلا أن الصفوف الطويلة التي تُشاهد على أبواب السفارات الأميركية في جميع البلدان تقريباً، تدل على أن أميركا مازالت مصدر استقطاب مغرٍ للعمل، وأيضاً لنيل حظ وافر من السعادة. بيد أن النقاش المحتدم حالياً داخل الولايات المتحدة ليس متعلقاً بالأجانب الذين يحترمون القانون ويتقدمون إلى السفارات الأميركية بطلب الحصول على تأشيرة الدخول، بل يدور الجدل حول العدد الكبير من المهاجرين السريين المقيمين داخل البلاد والذين يقدر عددهم بحوالى 12 مليون شخص. فقد جاء العديد من هؤلاء إلى الولايات المتحدة قبل عدة سنوات ومكثوا فيها طيلة الفترة السابقة، حيث أقاموا رفقة عائلاتهم وأنجبوا أطفالاً صاروا بحكم القانون الأميركي مواطنين كغيرهم من الأميركيين. وبخلاف النقاش الدائر حول الهجرة في أوروبا، والمرتكز أساساً حول المسلمين القادمين من الشرق الأوسط وأفريقيا، يكمن تحدي الهجرة الرئيسي بالنسبة للولايات المتحدة، في اللاتينيين القادمين من المكسيك، أو من وسط وجنوب القارة الأميركية. ويفد هؤلاء إلى أراضي الولايات المتحدة بشتى الطرق والوسائل، إما عن طريق التسلل عبر الحدود، أو بالبقاء في البلاد حتى بعد انتهاء مدة صلاحية التأشيرة، أو من خلال الحصول على تراخيص مؤقتة للعمل... لكن ما أن تطأ أرجل المهاجرين أرض الولايات المتحدة حتى يصعب تعقبهم، لاسيما أنهم لا يعدمون الوسائل والحيل للحصول على رخص قيادة مزورة تتيح لهم بدورها الاستفادة من امتيازات التأمين الاجتماعي، والخدمات الطبية. وعلى رغم أن أغلب المهاجرين المقيمين على التراب الأميركي يعملون في وظائف بسيطة ذات دخل متدنٍ ينفر الأميركيون من القيام بها، فإن أجورهم المتدنية تلك في أميركا، تظل أعلى بكثير مما يحصلون عليه في بلدانهم. فعلى سبيل المثال، يضخ المكسيكيون الذين يعملون في الولايات المتحدة، ثلاثة مليارات دولار سنوياً إلى عائلاتهم، معظمها يأتي من المهاجرين غير الشرعيين. وعلى مدار السنوات المنصرمة، دأب الكونجرس والإدارات الأميركية المتعاقبة على صياغة قوانين لمعالجة قضية الهجرة. وفي هذا الإطار يرى المتشددون الذين ينتسبون عادة إلى "الحزب الجمهوري" أنه قبل الحديث عن تسوية الوضع القانوني للمهاجرين غير الشرعيين الموجودين في الولايات المتحدة، يتعين أولاً العمل على تطبيق قوانين أكثر تشدداً فيما يتعلق بتكثيف المراقبة على الحدود وفرض عقوبات بالنسبة لتوظيف المهاجرين السريين. والواقع أن مشكلة الهجرة تنطوي على تحديات اجتماعية، وأخرى ثقافية، حيث يجادل المستاءون من الهجرة بأنه يتعين التعامل معها بالحزم والسرعة الكافيين، قبل وصول 12 مليون مهاجر سري آخر إلى الولايات المتحدة. لكن مما يلفت الانتباه أنه على رغم وجود أكثر من مليون مهاجر مسلم في الولايات المتحدة، فإنه نادراً ما تتم الإشارة إليهم في خضم النقاش الأميركي حول الهجرة. وأكثر من ذلك، فقد أظهر استطلاع للرأي أجراه مؤخراً مركز "بيو" للأبحاث، أن المسلمين "مندمجون جيداً" في المجتمع الأميركي، ويتبنون آراء معتدلة حول معظم القضايا السياسية المطروحة. فبينما بعارض المسلمون الأميركيون في مجملهم الحرب الأميركية في العراق وأفغانستان، والطريقة التي تعاملت بها إدارة الرئيس جورج بوش مع الحرب ضد الإرهاب، إلا أنهم فيما يتعلق بالنجاح المادي تفوقوا على معظم الأميركيين. فقد أعرب 71% من المسلمين في أميركا عن اعتقادهم بأنه يمكن تحقيق النجاح في الولايات المتحدة من خلال الاجتهاد في العمل، بينما أعرب فقط 64% من الأميركيين عن تلك القناعة. ولهذا السبب تم تفادي تلك الأزمات التي تواجهها أوروبا مع المهاجرين المسلمين والمرتبطة بالقضايا الثقافية وموجات العنف التي تندلع بين الحين والآخر، على غرار ما شهدته فرنسا في العام الماضي. ويرجع السبب في ذلك إلى توجه المسلمين الذين قدموا إلى أميركا نحو قطاع الأعمال نظراً لمستواهم التعليمي العالي، بينما لم يتوفر المسلمون في أوروبا على هذه الامتيازات، ما دفعهم إلى امتهان أعمال وضيعة والانعزال عن المجتمع في أحياء مغلقة. وبهذا المعنى يصبح تواجد المسلمين في أوروبا شبيهاً إلى حد كبير بتواجد المهاجرين من أصول لاتينية في الولايات المتحدة. والفرق الأساسي بين الطرفين هو أن أغلب المهاجرين من أصول لاتينية يدينون بالكاثوليكية وليس بالإسلام، الشيء الذي يبعد شبح المواجهة الدينية في أميركا خلافاً لما هو مطروح في أوروبا. ولا تنحصر التحديات الأوروبية في كيفية التعامل مع التطرف الإسلامي الذي بدأ يستقطب بعض المسلمين في الغرب، بل أيضاً طريقة التعاطي مع طلب تركيا الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. فانتخاب نيكولا ساركوزي، بمواقفه المعروفة، لا يبشر بأخبار سارة تنتظرها تركيا، لاسيما أنه بنى حملته الانتخابية على أجندة واضحة ترفض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي. وعلى رغم أن هذا الموقف المتحفظ قد يتغير مع مرور الوقت، إلا أنه ما لم يتم احتواء التطرف الإسلامي، فإنه من غير المرجح أن تُقبل تركيا كجزء من المنظومة الأوروبية. ولا ننسى أن كلاً من الولايات المتحدة وأوروبا منهمكتان في تطوير التكنولوجيا المتقدمة القادرة على مراقبة الحدود وتتبع المهاجرين غير الشرعيين لدى وصولهم. ومع أن تلك الوسائل قد تساعد على الحد من تدفق المهاجرين وتسهم في تهدئة المخاوف، إلا أن الأمر يحتاج إلى تدخل أكبر في حياة الناس ومراقبة لصيقة لأنشطتهم. والجدير بالذكر حقاً أنه على رغم الكلام الكثير الذي يقال عن العولمة وتسطح العالم وما إلى ذلك، فإن الحواجز والحدود مازالت تقام يومياً في العالم لمنع وصول المهاجرين من البلدان الفقيرة إلى الدول الغنية.