هل يعتقد محمد البرادعي، المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية، أن المجانين هم الذين ضربوا العراق؟ واضح أن الرجل يعتقد ذلك فعلاً، لأنه حذّر الأسبوع الماضي، في حديث له مع هيئة الإذاعة البريطانية، من "مجانين جدد" يدعون إلى قصف إيران. ولا يدري البرادعي أن عمل العراق هو الذي ضرب العراق، وأن عمل إيران هو الذي سيضرب إيران، ولا مجانين في القضية... وربما المجنون هو الذي يظن أن الذي يزرع الألغام يجني البرتقال والتفاح. نعم كذبت الإدارة الأميركية في قضية أسلحة الدمار الشامل العراقية، نعم غزو العراق واحتلاله مخالف للشرعية الدولية، نعم هناك من العراقيين من ركب على ظهر الدبابة الأميركية، وهناك من رقص أمامها، نعم هناك خرائط ومخططات، كما يقولون، لتقسيم المنطقة وإعادة ترتيب أوراقها من جديد. ونعم أيضاً للفخّ الذي نصبه العراق لنفسه حين دخل في حرب عبثية مع إيران، ونعم أيضاً حين احتل الكويت، ونعم أيضاً حين أباد نظامه الآلاف من شعبه؛ فكان من الطبيعي أن يقع صدام في الفخّ الذي نصبه بنفسه لنفسه، وصدام كان رئيس العراق، وطبيعي أن يقع العراق في الفخّ أيضاً ويتورّط مع أعتى جيوش العالم وأكثرها قوة. ما حصل في العراق نموذج واضح للفخّ الذي يوقع المرء نفسه فيه ليُقصم ظهره. ولا يهم أداة القصم، ولا تشويش القانونيين على أصل القضية والثرثرة حول قانونية القصم من عدمها، أو قول المحللين السياسيين بأن هذا لا يجوز سياسياً وهو مخالف للشرعية الدولية وغيرها من مشوّشات تلف وتدور حول الأسباب ولا تقترب ولا تعترف بالمسبّبات. والنظام الإيراني ليس أفضل حالاً من النظام العراقي السابق، فإذا كان العشرون مليون إنسان عراقي يعيشون في زنزانة اسمها "عراق العروبة"، تحت حراسة "فدائيي صدام"، بأقفال من شعارات "أم المعارك" و"ليخسأ الخاسئون"... فالسبعون مليون إنسان إيراني يعيشون في زنزانة مشابهة اسمها "الثورة الإسلامية"، تحت حراسة رجال "الباسيج"، بأقفال من شعارات "الموت لأميركا" و"مفسد في الأرض ومحارب لله"، ناهيكم عن الدماء التي تراق في غير مكان من العالم بإيعاز إيراني. وحتى لو قررت أميركا فجأة أن إيران أفضل دولة في "محور الخير"، وألبست "المجانين" الذين تحدث عنهم البرادعي ملابس بيضاء وأودعتهم في دار المجانين، وأسكتت أشخاصاً مثل "أمير الظلام" (ريتشارد بيرل) الذي "تكتك" غزو العراق، وقررت إيران بالمثل أن أميركا هي "الملاك الأكبر"، وجمعت كل أدبيات الثورة وأحرقتها في ميدان "آزادي"، فالذي زرعه النظام الإيراني لابد أن يحصده بطريقة أو بأخرى. يُحكى أن أحد الظالمين تحرّش بفقير يمشي في حاله ليُضحك رفاقه، فكافأه الفقير بدينار من الذهب، فأُعجب الظالم بفعلته وقال في نفسه: إذا كان هذا الفقير يعطيني دينار ذهب فماذا سيعطيني ابن الملك لو تحرّشت به؟ وكمِنَ الظالم لابن الملك حتى رآه يوماً، فتقدم إليه ليتحرّش به، لكن الحرس أحاطوا به وأشبعوه ضرباً وزجّوا به في السجن.