الزيارة التي قام بها إلى الولايات المتحدة، مؤخراً، الفريق أول سمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، ولي عهد أبوظبي، نائب القائد الأعلى للقوات المسلحة، تمثّل نموذجاً في منهجية التحرك وبناء العلاقات مع الدول الكبرى؛ حيث اتسمت الزيارة بقدر هائل من التركيز على الإنجاز وتحقيق الأهداف المنوطة بالزيارة، بعيداً عن الضجيج الإعلامي الذي يرافق تقليدياً تحركات القادة والمسؤولين خلال زياراتهم للعاصمة الأميركية، بل كان لافتاً أن الهدوء الذي يعدّ سمة أصيلة في الأداء الدبلوماسي الإماراتي، وكانت الزيارة أحد تجلياته، يخالف ما حققته هذه الزيارة من نتائج ونجاحات كبيرة تدعم توقع حدوث طفرة إيجابية في العلاقات الثنائية خلال المرحلة المقبلة. وإذا كانت الظروف والتطورات المتسارعة التي تشهدها المنطقة والعالم أجمع كفيلة بأن تبرز احتياج علاقات التعاون بين دولة الإمارات ودول العالم كافة، ولاسيما القوى الدولية المؤثرة، إلى تفاعل متواصل ودائم للتشاور حول ما يستجدّ من متغيرات ومعطيات سياسية واقتصادية تصنع فرصاً لتعزيز التعاون والتفاهم المشترك، بقدر ما تضيف من تحديات وتفرز من إشكاليات تتطلب بدورها نقاشاً على أعلى المستويات، فإن حصاد التحركات السياسية لسمو الشيخ محمد بن زايد آل نهيان، والوفد المرافق لسموه، داخل أروقة صناعة القرار الأميركي، ولقاءاته السياسية والفكرية العديدة التي شملت الرئيس الأميركي، جورج بوش ونائبه ديك تشيني، وكبار المسؤولين الحاليين والسابقين والشخصيات السياسية البارزة على الساحة الأميركية وكذلك الخبراء الاستراتيجيين، هذه اللقاءات والمشاورات عكست ملاحظات عديدة، أبرزها ما تتمتع به الدبلوماسية الإماراتية من ديناميكية تؤهلها للتفاعل بثقة واقتدار مع أطراف صنع القرار الأميركي كافة، حيث انعكس هذا النهج خلال الأجواء التي رافقت جلسات الحوار مع المسؤولين الأميركيين، إذ كانت إدارة الحوار كاشفة لمدى حرص دولة الإمارات على الانفتاح على وجهات النظر كافة، وطرق الأبواب جميعها من أجل بلورة قناعات مشتركة تعزز علاقات التعاون بين البلدين، وتضمن الحفاظ على مصالح الدولة وتحقق أمن واستقرار المنطقة، باعتبار أن بناء فهم مشترك حول القضايا والموضوعات مثار اهتمام الجانبين يدفع بالعلاقات الثنائية قدماً، ويوفر أيضاً فرصاً لتوظيف هذه العلاقات التي ارتقت إلى مرتبة متميزة في خدمة القضايا العربية. يدرك المراقبون والخبراء أن مسيرة التنمية في دولة الإمارات حققت نجاحات ملموسة، وأن خطط المستقبل تتطلب مزيداً من الانفتاح الخارجي الذي يوفر نافذة فرص جديدة لاستثمار ما حققته الإمارات في قطاعات تنموية شتى؛ كما أن هذه النجاحات وفرت فرصة ثمينة لإعادة تأطير علاقات الإمارات مع دول العالم على قاعدة المصالح المشتركة، بما يعزز مكانة الدولة ويجعل منها محطة إقليمية محورية على المستويين السياسي والاقتصادي، ويؤهلها كذلك لدور إقليمي متعاظم تضطلع به القيادات الإماراتية وتمارسه وفق نهج يحظى بتقدير وإعجاب الدوائر الإقليمية والدولية. تعزيز العلاقات الإماراتية- الأميركية وفتح آفاق جديدة أمامها كان أحد مرتكزات التحركات الخارجية الإماراتية المكثفة في الآونة الأخيرة، وهي تحركات تصبّ في مجملها في خانة اتجاه دولة الإمارات نحو تكريس نهجها المتوازن في إدارة العلاقات الخارجية، والحفاظ على علاقات قوية ومتينة مع دول العالم كافة، والاستفادة من التطور الاقتصادي وما يتيحه من فرص واعدة، باعتبار أن إقامة علاقات اقتصادية مع مختلف دول العالم هي جزء محوري من السياسة الخارجية لدولة الإمارات، وهو بالإجمال طموح يتواكب ويخدم الأهداف الاستراتيجية للدولة في مرحلة "التمكين"، وهو أيضاً طموح لا ينفك عن منظومة سياسات تتسم بقدر هائل من التوازن والوعي والنضج أسّس لها، المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان. عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية