يترقب هذا الشهر المخصص لدارفور الذي طال انتظاره لاستقبال المنقذ الدولي بعد أن تعرض شعبه ذو السبعة ملايين إنسان لأبشع أنواع جرائم الإبادة الجماعية، ويكفي أن حصيلة ذلك العمل الشنيع قد وصلت حتى الآن إلى قرابة مائتي ألف قتيل ومليوني مهجر، والباقي ينتظر المجهول ما لم يتحرك المجتمع الدولي برمته، وهذا هو المتوقع في غضون الأيام المقبلة. الحكومة السودانية عجزت عن فعل الإنقاذ بعد أن استطاعت وقف الحرب الأهلية في الجنوب وفقاً للاتفاق الذي أبرم بين طرفي النزاع الذي لم يرث السودان من ورائه غير التخلف. يبدو أن التدويل هو الحل للكثير من المشاكل العالقة في أطراف العالم الثالث، وهو الأمر الذي كان يرفضه السودان وفقاً لآلية الأيمان المغلظة في لغة صلفة لم تصمد طويلاً أمام المطالب الدولية للإسراع في علاج هذا الملف الذي طال أمد معاناته، وقد وافقت الحكومة السودانية على استقبال ثلاثة آلاف عنصر أممي لأجل إعادة الحق إلى نصابه، إلا أن المجتمع الدولي يرى أن العدد المطلوب لا يقل عن عشرين ألف جندي للبدء في إزالة آثار الظلم التي طالت أرخص مكونات الدولة في السودان ألا وهو الإنسان. لقد وجد أحد المشاركين في ندوة حوارية عن أزمة دارفور مبرراً قوياً في ظنه لعدم قدرة الحكومة السودانية في الوصول إلى حل سريع للأزمة التي تحولت إلى نمط لجرائم حروب الاستئصال دون الإعلان عنها، وقد برر ذلك العجز بالمساحة الشاسعة التي تقارب 2.5 مليون كم وخليط اللغات التي يتحدث بها السكان بما يقارب ستمائة لغة أو لهجة تتركز مائتان منها في الخرطوم وحدها، وعدم وجود البنية الأساسية لشبكة الطرق والمواصلات التي تعين الحكومة على أداء دورها الأمني، انتهى التبرير هنا لصالح الحكومة المشاركة لاستمرار الأزمة ضد كل المواثيق الدولية حول حقوق الإنسان وأقلها حق للحياة، عندما تعجز أي حكومة عن حماية الشعب فما مبرر وجودها بعد ذلك في سلسلة الدول التي تزعم أن لديها مشروعاً حضارياً تسوق له منذ عقود. وفق منطق الجريمة العادية التي كانت تقع في الجنوب ولم تدخل سجلات الحوادث اليومية، لأن الدورية التي يجب أن تتواجد في ساحة الجريمة لم تجد أمامها الطريق المعبد للوصول إلى هناك قبل تفاقم تلك الجريمة البسيطة، التي تحولت لنوع جديد من الإبادة والجميع هناك بانتظار مشروع الطريق الجديد الذي سيتم تعبيده بأيدي قوات الأمم المتحدة خلال فترة وجيزة. إن أشد ما يصيب الأزمات التي تبحث لها عن حل فوري بسبب فظاعة النتائج على الأرض، هو الاعتماد على التبسيط في إيجاد المبررات التي تضاعف من حجم المأساة التي يتعامل معها سكان دارفور منذ زمن ولا تطال يداً معينة قبل أن تأتي الإبادة على الجميع. لا يمكن أن يقف العالم بكل مكوناته الإنسانية مكتوف اليدين أمام التسيب الذي يسمع صداه في عويل المذبوحين وظلم الأقربين في تلك الأصقاع التي قد لا نصل إليها إلا بشق الأنفس، ولكن العالم الآخر والباحث عن منح الإنقاذ للإنسان في دارفور لا تكبله الحدود السياسية والجغرافية لممارسة النخوة التي عجز عن ممارستها أصحاب النخوات في التاريخ الغابر، فاللقمة واللقمتان التي تصل إلى بعض الأفواه هناك ليست الحل الأمثل لإنقاذ الملايين من عمليات الإبادة والتشريد القسري عن البيوت الآمنة إلى حيث الضياع والتيه والمعاناة بكل أنواعها التي تتجدد دائماً مع كل تهاون واستسهال في التعامل مع المشكلات التي وقودها الناس والحجارة في أرض دارفور.