حارت البرية في فهم منطلقات وممارسات الإدارة الأميركية الراهنة بقيادة الرئيس بوش. ليس فيما يتعلق بسلوكها إزاء أزمتها الحادة في العراق، حيث برزت الهزيمة الأميركية الكاملة، ولكن أيضاً على مستوى العلاقات الدولية بشكل عام. ولعل الأزمة الراهنة بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية فيما يتعلق بنشر شبكة الصواريخ العابرة للقارات في أوروبا الشرقية عموماً وفي بولندا خصوصاً على مسافة جد قريبة من روسيا، تكشف عن تيار الهيمنة المطلقة الذي يسيطر على العقل الاستراتيجي الأميركي من ناحية، وعلى التخبط في اتخاذ القرارات وتبني المواقف إزاء الغير من ناحية أخرى. في مواجهة الخطة الأميركية لنشر الصواريخ بصورة تهدد مباشرة الأمن القومي الروسي، أطلقت روسيا صاروخاً لم يسبق للصناعة العسكرية الأميركية أن شهدت له مثيلاً، فيما يتعلق بقدرته التدميرية ودقة توجيهه. كان هذا هو الرد الروسي على الولايات المتحدة الأميركية، كما صرح الرئيس فلاديمير بوتين لاستعادة التوازن الاستراتيجي الذي أرادت الولايات المتحدة تهديده بشكل خطير. وفي الجدل الصاخب بين روسيا والولايات المتحدة الأميركية حول هذا الموضوع الشائك، قرر الرئيس بوتين أن الولايات المتحدة بسلوكها ستحوِّل أوروبا كلها إلى منطقة تفجير، وخصوصاً أنها انسحبت من معاهدة حظر انتشار الصواريخ. فكيف كان الرد الأميركي على هذه الانتقادات؟ صرحت "كوندوليزا رايس" وزيرة الخارجية الأميركية في هذا السياق تصريحاً بالغ الغرابة لأنها قالت إن الولايات المتحدة الأميركية ليست راضية عن الوضع الديمقراطي في روسيا، على رغم تأكيد الرئيس بوتين بأن الديمقراطية وممارساتها في بلاده لا تثريب عليها! والسؤال المحيِّر هنا: من الذي أعطى الولايات المتحدة الأميركية حق تقييم الأوضاع الديمقراطية في العالم؟ وإذا كانت تتدخل بشكل مستفز وغير مشروع في مسار التحول الديمقراطي في البلاد العربية بحكم ضعفها النسبي، فكيف قرّ في ذهن صانع القرار الأميركي أن من حقه أيضاً التفتيش على الأوضاع الديمقراطية في دولة عظمى كروسيا وتقييم ممارساتها؟ الرد على ذلك يكمن في عقلية الهيمنة المطلقة التي سيطرت على العقل السياسي الأميركي منذ مراحل تاريخية مبكرة. وإذا كنا في المقال الماضي تحدثنا عن الأسباب الكونية والمعرفية وراء نزعة الهيمنة الأميركية كما بسطها في مقال له المفكر الباكستاني المعروف ضياء الدين سردار، فإنه يضيف إلى ما سبق سببان آخران للهيمنة: أحدهما وجودي والثاني تعريفي. أما السبب الوجودي للهيمنة فيتمثل في أنه شبه لصناع القرار الأميركيين أنهم مثل القضاء والقدر (مشيئته لا ترد)! وعلى ذلك فكل الحياة الكونية عليها طوعاً أو جبراً أن تنظر باحترام وتوقير لوجود الولايات المتحدة في العالم، باعتبارها مصدر القيم ومنبع الخيرات! وفي ضوء ذلك فإنه بالنسبة للولايات المتحدة الأميركية لا شيء في العالم يهم ما عدا مصالحها وحاجاتها واهتماماتها ورغباتها، التي تريد فرضها على كل الأمم والشعوب، التي ينبغي عليها أن تنفذ مصالح الولايات المتحدة الأميركية، وأن تحترم الأسلوب الأميركي في الحياة الذي يقوم على الاستهلاك الوفير الذي لا تحده حدود. وهذا هو الذي يفسر لماذا يسعد الأميركيون باستهلاك غالبية موارد العالم، ويركزون بوجه خاص على ضرورة حصولهم على نفط رخيص. ومصداق ذلك كله أنه إذا كانت معاهدة "كيوتو" الخاصة بضبط المناخ العالمي ومنع التلوث ستؤثر أحكامها على الشركات الأميركية سلباً، فإن الولايات المتحدة الأميركية تنسحب منها بعد أن وقعت عليها. وإذا كانت المحكمة الجنائية الدولية التي أنشئت حديثاً من حقها أن تحاكم المواطنين الأميركيين إذا ارتكبوا جرائم حرب فإنها لا توافق عليها. وإذا كان المزارعون الأميركيون يحتاجون إلى دعم من الحكومة الأميركية خلافاً لقواعد منظمة التجارة العالمية فلتذهب هذه المنظمة إلى الجحيم، مع أنها هي التي فرضت أحكامها على العالم! ولأن الولايات المتحدة الأميركية هي العالم والعالم هو الولايات المتحدة الأميركية، فقد استطاعت أن تشكل الاقتصاد العالمي لكي يثريها بانتظام، ويخضع المجتمعات غير الغربية حتى تصل إلى مستوى الفقر. وشعار "حرية السوق" الذي ترفعه الولايات المتحدة الأميركية معناه ببساطة حرية انتقال رؤوس الأموال الأميركية، وإطلاق سراح الشركات الأميركية، وحرية انتقال السلع والخدمات من أميركا إلى باقي العالم. ويمكن القول إن الامتداد العولمي الأميركي يضيق من الفضاء الثقافي للمجتمعات غير الأميركية بما في ذلك أوروبا. ومن شأنه تضييق الفرص أمام ازدهار ثقافات العالم المختلفة، ويبقى أخيراً أن نتحدث عن الهيمنة الأميركية في مجال تعريف المبادئ والظواهر والأحداث، فالولايات المتحدة الأميركية تعطي لنفسها الحق المطلق لتكون هي المرجع الأوحد في التعريف. وفي ضوء ذلك هي تقوم بتعريف ما هي الديمقراطية، وما هو العدل، وما هي الحرية، وما هي حقوق الإنسان، وكل الأمور التي تشكل الحياة الإنسانية في أي مجتمع. وليس أمام العالم -بحكم الهيمنة الأميركية- سوى أن يخضع لهذه التعريفات الأميركية المتعسفة. وقد امتدت هذه "الهيمنة التعريفية" إن صح التعبير في العقد الأخير إلى تعريفها الخاص للقانون الدولي، وللسوق الحر، والتعددية الثقافية، كما أنها صكت تعريفاتها الخاصة للأصولية والإرهاب، والشر والخير. والمفروض كما يظن وهماً العقل السياسي الأميركي أن على كافة الدول بما فيها أوروبا، أن تخضع لهذه التعريفات وتقبلها وتتبناها بغير تردد. ويشهد على هذه النزعة للهيمنة التعريفية أن الولايات المتحدة الأميركية ترى أن لها الحق في مجال الإرهاب أن تفرق بين ما تسميه "الإرهاب الإسلامي" الذي يخضع مرتكبوه إلى معاملة بالغة القسوة وبما يخالف القانون الدولي والقانون الجنائي كما هو الحال بالنسبة للمعتقلين في معتقل جوانتانامو وبين الإرهابيين الأميركيين ومثالهم تيموثي ماكفي الذي فجر المبنى الفيدرالي في أوكلاهوما، ولكنه حوكم محاكمة قانونية لا تعسُّف فيها. ونفس الممارسة الأميركية لوحظت بالنسبة لحرية الصحافة. فالولايات المتحدة الأميركية تهاجم الدول التي لا تربطها بها علاقة وثيقة على أساس أنها تخالف قواعد حرية الصحافة، في حين أنه بالنسبة للدول التي لها مصالح استراتيجية معها، فإنها تغض الطرف عنها، حتى لو خرقت بشكل فاضح حقوق الإنسان. وأياً ما كان الأمر، فيمكن القول إن الأسباب الأربعة للهيمنة الأميركية ونعني الكونية والمعرفية والوجودية والتعريفية، أصبحت هي المفردات الرئيسية التي تشكل النظرة الأميركية للعالم، مما جعلها عنصراً أساسياً للهوية الأميركية. وليس أمام العالم سوى إعادة صياغة المجتمع العالمي للانتقال من النظام الأحادي القطبية، الذي تنفرد فيه أميركا بحكم العالم، إلى نظام متعدد القطبية يكفل المساواة بين الدول والعدالة بين الأمم والاحترام لكل ثقافات العالم.