في الماضي كان أيُّ خلاف ينشبُ بين دولتين عربيتين يُنسبُ إلى أصابعَ إسرائيلية وصهيونية؛ وذلك عطفاً على ثقافة "التبرير" التي لا تقدّم ولا تؤخر في قضايا السياسة. ولكن اليوم؛ ومع المشهد العربي الجديد؛ فإن ثقافة التبرير لم تعد صالحة؛ كون المشهد أصبح أكثرَ شفافية وما عاد يحجبهُ "الكهنوت السياسي" أو تلفّه العباءةُ العربية! فالإخوة الفلسطينيون يتواجهون بالسلاح والكلمات والاتهامات. فالفتحاوي (محمد دحلان) يتهم حماس -قبل فترة- بأنها "عصابة قتلة"!! وهددها باستخدام السلاح ضدها. وأن الفتحاويين سيردون "الصاع صاعين؛ وإذا اعتقدت قيادتهم أنهم بمنأى عن قوتنا فهم مخطئون". يرد عليه (الحماسي) فوزي برهوم "أن حركة حماس لن تنحرف عن مبادئها وبرنامجها؛ لكنها لن تقف مكتوفة الأيدي أمام التهديدات ضد كوادرها، وستحافظ على الكيان الفلسطيني"! وألمحَ برهوم -دون تصريح- إلى أنه (دحلان) يعمل لصالح أجندة أميركية- إسرائيلية؟! وهنا أعادنا برهوم إلى ثقافة التبرير التي أشرنا إلى زوالها؛ وأثبتَ أننا مخطئون في التصوّر. ويعود برهوم ليصفَ "شهداء الأقصى" -الذراعَ العسكرية لحركة "فتح" بأنها قاتلة وخاطفة وخارقة لبرنامج التهدئة بين الجانبين. (الحياة 8/1/2007 ). وكنتُ قد سمعتُ وزيراً فلسطينياً حماسياً يتهم "ياسر عبد ربه" بأنه عميل للأميركان وأنه فاسد إدارياً؟! وتوالت المواجهات بين الأطراف الفلسطينية حتى ما بعد "اتفاق مكة" الذي عُقد برعاية سعودية. وسقط ضحايا بين الجانبين أسموهم بـ"الشهداء"؛ والحقيقة أن الشهيد من يسقط في ساحة الحرب مع العدوّ، هكذا علمنا أساتذتنا الفلسطينيون في الخمسينيات؛ وليس من يسقط بسلاح أخيه!؟ ومنذ تلك التصريحات الفلسطينية التي مضى عليها أكثر من خمسة شهور والسلاحُ الفلسطيني يُشهر في وجه الفلسطيني. والله المستعان. نخرج من النفق الفلسطيني دون أن ننكأ مزيداً من الجراح لندخل النفقَ العراقي. وهو أكثرُ ظلاماً بفعل عنفوان روح التشفيّ والانتقام التي واكبت إعدامَ صدام حسين. ولاشك أن مَن سمعَ وشاهد الشريط الخاصّ بإعدام الرئيس العراقي السابق و"المُسَرّب" -لربما عمداً لوسائل الإعلام- يكتشف مدى تغلغل روح التشفي في النفوس العراقية من خلال العبارات التي وردت والحبلُ يلتفُّ حولَ عنق الرئيس العراقي السابق. وكذلك ثقافة وعبارات وهوية المجتمعين حول صدام؛ حيث كانوا من الإخوة الشيعة! وفي ذلك سؤال كبير حول سيطرة فئةٍ معينةٍ على الحكومة العراقية!؟ بالطبع نحن هنا لا نناقش الحُكمَ الذي صدرَ بحق الرئيس العراقي؛ بل نختلفُ على توقيته؛ وإن كنا لا نختلف على الجرائم التي ارتكبها النظام العراقي إبانَ حكم صدام ومن تحت بصره وبيده. فالشيعة يتواجهون مع السُّنة -دعونا نقولها بالمكشوف دون أردية التبرير- إنها حربٌ طائفية واضحة؛ حيث إن الجو قد صفا للإخوة الشيعة برحيل صدام؛ للانتقام من ممارسات فترةِ حُكمهِ -التي كانت جائرة بحقهم- والأكرادُ من جانبهم يسعون إلى تدعيم حُكم ٍ لهم في الشمال لربما أدى إلى نتائج وخيمة فيما يتعلق بالنفط وحقول (كركوك) بالذات. بل إن تحقيقات صحافية مع أكراد أثبتت صيّغَ التشفيّ التي تمتزج بالمشاعر العراقية –حيث يقول أحدهم: إن شنقَ صدام بسبب قتل 148 شيعياً، سلبهم (الأكراد) فرصة تاريخية لمحاكمة صدام على الجريمة الأخطر وهي الإبادة الجماعية!؟ ويقصدُ بها قضية "حلبجة". كما يرى الأكراد أن سرعة تنفيذ حكم الإعدام "كان يهدف إلى التقليل من شأن قضية الأنفال"! وهذه النبرة تثبت مدى روح الطائفية السائدة حتى بعد تنفيذ حكم الإعدام. إذ لو بقينا نعدّدُ الجرائم التي حصلت في عهد صدام لاحتاجت المحكمة إلى أكثر من عشر سنوات. وفي هذه الأيام تتحالف العشائر مع القوات الأميركية لمواجهة هجمات "القاعدة" الشرسة عليها. ولا يتردد مجندُو "القاعدة" في الدخول في الجنائز وتفجير أنفسهم بين المُعزين. ورئيس الوزراء المالكي يواجه عقباتٍ في تشكيل حكومة جديدة. والتفجيرات مستمرة في حقول كركوك الغنية بالنفط على أيدي مجهولين! الرئيس الأميركي (بوش) يعتقد أن (بن لادن) قد قرر أن يكون العراقُ معقلاً ومسرحاً لعملياته ضد الأميركان. وهكذا تستمر نكبة العراقيين دونما بصيص أمل في نهاية النفق. اللبنانيون لديهم مشكلة من نوع آخر! فجماعة 14 آذار ترى ضرورة التصدي للمحاولة الانقلابية المتجددة، والدفاع عن الاقتصاد اللبناني؛ وأن "حزب الله" يحاولُ تعطيلَ وتأزيم المواقف وذلك باستمرار تعطيله للحياة وسط بيروت لشلّ الحركة الاقتصادية وتعطيل إدارات الدولة؛ كما جاء في بيان هيئة المتابعة لقوى 14 آذار. قوى المعارضة اللبنانية تواصلُ حركتَها "الاعتراضية" وتتبنى دعوة الاتحاد العمالي العام للتظاهر أمام مبنى وزارة المال وكل الوزارات الأخرى وتدعو اللبنانيين إلى التظاهر؛ متهمة الحكومة بأنها فاقدة الشرعية وخارجة على الدستور. صيادون في المياه العكرة يحاولون دقَّ إسفين بين الحزب التقدمي الاشتراكي و"تيار المستقبل". وما زال موقفُ المعارَضة كما هو منذ الاعتصام الجماعي في وسط بيروت؛ وهو ضرورة قبول استقالة الحكومة أو اعتبارها مستقيلة. القنبلة الجديدة التي فجّرتها جماعة "فتح الإسلام" تأتي لتصُبّ الزيت على النار. حيث يفيق اللبنانيون على تفجّر الأوضاع في مخيم "نهر البارد" على أيدي جماعة "فتح الإسلام" المنتمية لتنظيم "القاعدة" وتواجهها مع الجيش اللبناني. وفيما "يتبرأ" مسؤولٌ فلسطيني في بيروت من الأعمال الإجرامية التي قامت بها تلك الجماعة؛ يتهم بعضُ اللبنانيين سوريا بضلوعها في هذا التفجير الجديد في لبنان. وتسرّبت أنباء عن مقاصد "فتح الإسلام" السُّنية لمواجهة "حزب الله" الشيعي في لبنان. ولبعض اللبنانيين أطروحاتهم فيما يتعلق بدعم سوريا لهذا التنظيم (فتح الإسلام). ويعللون ذلك بزعم أن سوريا أطلقت سراحَ قائد المجموعة "شاكر العبسي" عام 2005 الذي لجأ إلى مخيماتٍ في لبنان تهيمنُ عليها سوريا. كما أنه ليست للفلسطينيين علاقة بهذه المجموعة التي تضم عرباً وأجانب تسللوا إلى مخيم "نهر البارد" لربما بدعم لوجستي من دول عربية!؟ الإشكالية الكبرى التي تواجه اللبنانيين اليوم، أن بعضهم لا يريد نتائجَ المحكمة الدولية الخاصة باغتيال الرئيس رفيق الحريري ويريدُ تعطيلَ عمل المحكمة؛ والبعض الآخر يريدُ الحقيقة وكشفَ الأوراق للعالم عن الجهات التي خطَطت ورعت تنفيذ الجريمة بحق رئيس وزراء لبنان. كما أن هناك أطرافاً أخرى تريدُ الانقضاض على الحكومة وتغليب طائفة محددة على الطوائف الأخرى في البرلمان. كرة الطائفية تتدحرج بقوة في العراق وفي لبنان. ولعبة الكراسي أيضاً تستمر في فلسطين؛ وقد نسيَ الإخوةُ رفقاءُ النضال الوطني ضد المحتل، ووقفوا يُشهرون بنادقهم في صدور بعضهم بعضاً. وسقطت كلُ عبارات الولاء للقضية والتحرير والعودة! هل نتحدث عن السودان والصومال؟ ومجاميع "المحاكم الإسلامية" التي تمّت إبادتها بالطائرات؛ وكلها مغامرة للوصول إلى سدّة الحكم مهما كانت الذرائع! هل نتحدث عن الحوثيين في اليمن؟ أم عن الصحراء الغربية؟ فهل نلقي اللوم عما يجري في كل هذه البلدان على أميركا والصهيونية؟ بعض السُّذج من العرب يتحدثون عن مؤامرة أميركية- صهيونية لتفتيت العرب وتصفية وحدتهم وقوتهم!؟ ألا يعرف العراقيون أين مصلحة بلادهم؟ ألا يعرف الفلسطينيون مصلحة قضيتهم؟ ألا يعرف اللبنانيون مصلحة بلدهم؟ وحتى لو كانت هنالك مؤامرة ضد العرب؛ أليست لدى العرب عقول يفكرون بها وعيون يرون بها؟! ما ذا يجري للعرب هذه الأيام؟ لابد لنا من الإجابة على هذا السؤال بعيداً عن الغشاوة التي تفرضها نظريةُ المؤامرة على أعيننا! hamsalkhafi@hotmail.com