إن الارتفاع المتواصل في إيجارات المساكن -رغم النمو الكبير في الاستثمار العقاري خلال السنوات الأربع الماضية- يفصح عن خلل ما، وهو الخلل نفسه الذي أدى إلى اختلاف التوقّعات ووجهات النظر بشأن مستقبل الإيجارات إلى حدّ التناقض التام، وهو الخلل نفسه الذي أربك حسابات المؤسسات الاقتصادية الدولية أيضاً، بشأن توجّهات القطاع العقاري بالدولة. ففي مراجعته الدورية لأداء الاقتصاد الوطني، قبل عامين، أطلق "صندوق النقد الدولي" مخاوف محتملة في هذا الاتجاه، لازمتها توقعات قوية بأن سوق العقار على وشك انخفاض حادّ. إلا أن مخاوف الصندوق والتوقعات المتشائمة لفريق كبير من الخبراء والمحللين، بشأن مستقبل القطاع العقاري، ظلت تفقد مصداقيتها باستمرار، في ظل النمو القوي والمتواصل في أسعار العقارات ومستوى الإيجارات، رغم كثافة الاستثمار العقاري الذي ظلت تشهده مختلف مدن الدولة، خلال السنوات الأخيرة، الأمر الذي ظل يبحث عن تفسيرات ومبررات مقنعة لهذه الظاهرة المحيّرة. ويتضح من خلال استطلاعات صحفية نُشرت مؤخراً حول هذه الظاهرة، أن غالبية المشاريع العقارية التي يتم إطلاقها بالدولة، تتم في مناطق التملّك الحرّ، وتستهدف في الأساس المستثمرين والراغبين بالتملك، وهم أصحاب الثروات والدخول المرتفعة من داخل الدولة وخارجها، فيما لا تجد مشاريع الإسكان المتوسط والمنخفض المستوى الذي يلبّي متطلبات أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة، الذين يشكّلون 85% من إجمالي المشتغلين في منشآت القطاع الخاص بالدولة، الاهتمامَ الذي يضاهي نمو الطلب ضمن هذه الشريحة، بينما تشير بعض التقديرات إلى أن أكثر من 90% من المشاريع العقارية تستهدف أصحاب الدخول العالية وفوق المتوسطة، وهو ما يكشف عن خلل في مكوّنات الطفرة العقارية بالدولة، ويفسر بوضوح ظاهرة ارتفاع الإيجارات في مختلف إمارات الدولة، رغم ضخامة الاستثمارات العقارية. إن الطفرة العقارية بمكوّناتها الراهنة لا تلبّي إلا جانباً صغيراً نسبياً من النمو المتصاعد في الطلب على الوحدات السكنية، إذ إن انقسام سوق الوحدات السكنية بالدولة إلى قطاعين منفصلين تماماً، الأول (فاخر) يتعدى عائد الاستثمار فيه 20%، على أساس نظام التمليك ضمن مشروعات التطوير العقاري الكبرى، والثاني مخصص لتلبية احتياجات أصحاب الدخول المحدودة والمتوسطة على أساس نظام الإيجار، يصل عائد الإيجارات فيه إلى 10% تقريباً، يؤدي باستمرار إلى نمو العرض ضمن القطاع الأول، ونمو الطلب ضمن الثاني، ما ينجم عنه ارتفاع في إيجارات الشقق والمساكن رغم النمو الكبير في حجم الاستثمار العقاري. وبقدر ما يؤدي هذا الاختلاف في النمو بين فئات الطلب وفئات العرض إلى ضغوط على مستوى الإيجارات، فإنه يحمل مخاطر أكبر على صعيد مستقبل الاستثمار العقاري بالدولة، في حال وصول العرض للوحدات السكنية (الفاخرة) التي تطرح للتملّك، إلى مرحلة الفائض وتراجع عائدها الاستثماري إلى مستويات قد تؤثر سلباً في القطاع العقاري، ويمتد تأثيرها بالتالي إلى معظم قطاعات الاقتصاد الوطني، بحكم دور الاستثمار العقاري كمحرك رئيسي لعجلة الاقتصاد، ما يتطلب معالجة فنية شاملة لأوضاع السوق العقاري، من خلال إعادة تفعيل قوى السوق على أساس تحرّك الاستثمارات الجديدة وفقاً لنمو الطلب الفعلي، الأمر الذي سيؤدي إلى توازن أفضل بين العرض والطلب في فئات الإسكان كافة، ويوجّه الاستثمارات نحو تلبية الاحتياجات المتصاعدة في هذا القطاع. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.