دخل الشرق الأوسط في أتون حلقة متشابكة ومعقدة من الأوضاع المتردية إلى درجة لم تعد معها الإحالات الدينية، أو الأبيات الشعرية، قادرة على وصف الفوضى السياسية الضاربة أطنابها في المنطقة. وما علينا سوى إلقاء نظرة فاحصة للتأكد من الأمر، حيث تحولت غزة إلى مقديشو أخرى، بينما "حماس" تطلق صواريخها على إسرائيل، وهذه الأخيرة ترد بعنف. أما العراق فقد تحول إلى مرجل يغلي ومرشح للانفجار في أي وقت، وتخضع سوريا للتحقيق بتهمة اغتيال رئيس الوزراء اللبناني الأسبق. ويمكنني أن أستمر في تعداد باقي الحالات التي تدلل بوضوح على مدى تأزم الوضع وتعقده، وصعوبة الاستقرار على حل لكل تلك القضايا المتشابكة. ففي إسرائيل يُقلب المسؤولون جميع البدائل والخيارات المتاحة من مبادرة السلام السعودية إلى التفاوض مع "حماس"، ومن فتح الحوار مع سوريا وإعادة احتلال غزة إلى البحث عن وصي يستلم الضفة الغربية في حال الانسحاب منها. والواضح أنه لا أحد يعرف ماذا يفعل بالضبط للخروج من المأزق. لقد تراجع الحل الذي طرحه "اليسار" الإسرائيلي، والقائم على صيغة "الأرض مقابل السلام" بعد انهيار "اتفاق أوسلو"، كما تحولت رؤية "اليمين" المستندة إلى احتلال كامل لـ"أرض إسرائيل" ضرباً من الخيال بالنظر إلى الحقائق الديموغرافية على الجانب الفلسطيني واندلاع انتفاضتين متتاليتين. أما الطريق الثالث الداعي إلى الانسحاب الأحادي من لبنان وغزة فقط، فقد ظهرت أخطاره بعد هجوم "حزب الله " الأخير، ومواصلة "حماس" إطلاق صواريخها من قطاع غزة. ويوضح هذا التخبط "موشي هالبيرتال"، أستاذ الفلسفة في الجامعة العبرية قائلاً: "تمر إسرائيل بمرحلة لم تعهدها من قبل، إنها لا تملك صورة واضحة عن وجهتنها ولا كيف تصل إليها، لذا فإن الناس يبحثون عن طريق رابع". ولئن كان من المستحيل التنبؤ بالمنحى، الذي سيتخذه الطريق الرابع، إلا أنه لابد من رصد مجموعة من الحقائق الجديدة عند تحديد هذا الطريق. الحقيقة الأولى هي أن حركة "فتح" التي أسسها ياسر عرفات وهيمنت على الحياة الفلسطينية لفترة طويلة تعيش مرحلة من التململ والتخبط. ولا يعني ذلك أن "فتح" ستختفي من الساحة، لكنها لن تضمن لنفسها مرة أخرى السيطرة الكاملة على السلطة الفلسطينية، بحيث يتعين عليها اقتسام السلطة مع "حماس" التي تمكنت إلى حد كبير من إزاحة "فتح" في قطاع غزة. وعاجلاً أم آجلاً سيكون على الولايات المتحدة وإسرائيل إسقاط العقوبات الاقتصادية المفروضة على الفلسطينيين والرامية إلى الضغط على "حماس" من أجل الاعتراف بإسرائيل. وفي هذا الإطار يقول "إيهود ياري"، كبير الصحفيين في التلفزيون الإسرائيلي والمسؤول عن الشؤون العربية "رغم ما تثيره حماس في نفسي من اشمئزاز كإسرائيلي، فإنني أعتقد أنها لم تأتِ إلى السلطة في زيارة، بل جاءت لتبقى". ويبدو أنه على إسرائيل أن تختار بين التعامل مع سلطة فلسطينية تقودها "حماس"، وبين تركها عرضة للانهيار مع ما يترتب على ذلك من مسؤولية إسرائيلية (العراق والصومال نموذجاً)، لاسيما وأن نسبة البطالة في الضفة الغربية وقطاع غزة وصلت إلى 40%. واللافت أن العبارة التي ترددت على ألسنة معظم الفلسطينيين الذين التقيت بهم في رام الله لم تكن "الاحتلال الإسرائيلي"، بل كانت هذه المرة "التشظي الفلسطيني". ومع ذلك أطلعني الفلسطيني "خالد الشقاقي" الخبير في إجراء استطلاعات الرأي أنه على رغم تردي الأوضاع، فإن الفلسطينيين لا يلومون "حماس"، بل يحملون المسؤولية لإسرائيل والولايات المتحدة اللتين منعتا وصول الأموال إلى حكومة "حماس" المنتخبة من قبل الشعب الفلسطيني. وحسب الاستراتيجي الإسرائيلي "جيدي جرينشتاين"، تبقى أفضل وسيلة لكبح نفوذ "حماس"، أو دفعها على الأقل إلى الاعتدال هو السماح لها بتحمل المسؤولية، حينها ما عليك سوى أن تسألها "هل تريد للفلسطينيين أن يتمكنوا من دخول إسرائيل للعمل؟ إذن فلنجس معاً لننظر في التفاصيل". ويضيف "جرينشتاين" قائلاً: "إننا في حاجة إلى إرغام حماس على الدخول في دهاليز اتخاذ القرارات الصعبة". وإذا ما أبدت الولايات المتحدة استعدادها للحديث مع إيران، فإن إسرائيل أيضاً ستجلس مع "حماس". أما الحقيقة الثانية التي يتعين أخذها بعين الاعتبار قبل البحث عن الطريق الرابع، فتتمثل في اقتراح "حماس" بمنح إسرائيل هدنة طويلة المدى. وأعتقد شخصياً أنه على إسرائيل قبول المقترح لسببين، الأول لأن تاريخ العلاقات بين العرب وإسرائيل كان على الدوام حرباً ثم هدنة، ثم حرباً فهدنة أخرى، وهو الحال الذي طبع علاقاتهما منذ 1948 وحتى اليوم. والسب الثاني هو ما عبر عنه "إيهود ياري" بقوله: "كان اليهود أفضل من العرب في استغلال فترات الهدنة". فإسرائيل ليست في حاجة إلى اعتراف "حماس"، بل هي في حاجة إلى هدنة طويلة. وتبقى الحقيقة الثالثة والأخيرة هي استحالة تسليم إسرائيل للضفة الغربية إلى الفلسطينيين في ظل استمرار القصف الصاروخي لـ"حماس" دون وصاية دولية. فانطلاقاً من الضفة الغربية يستطيع الفلسطينيون تعطيل مطار إسرائيلي بإطلاق صاروخ واحد؛ لذا فإن الأردن فقط، أو قوة دولية، تستطيع الإشراف على الضفة الغربية. ولابد في النهاية من الإقرار بأنني لست متأكداً فعلاً من وجود طريق رابع، لكن في حال وجوده يتعين أخذ جميع الحقائق السالفة بعين الاعتبار، وإلا فسيبقى الوضع على سوئه إلى أجل غير مسمى. توماس فريمان ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب ومحلل سياسي أميركي ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"