"اعذرني يا خالد، لا أستطيع البكاء عليك... جفّت الدموع في عينيّ". بهذه الكلمات نعى عالِمٌ عراقيٌ نبأ اغتيال خالد النائب، أستاذ علم المناعة في كلية الطب في "جامعة النهرين" ببغداد. وهل بقيت في المآقي دموع تبكي شهداء العلم في العراق؟ يا ويلي على فجيعة أرملة خالد النائب الشابة منال الموسوي. تندبه كيف "رحل دون أن يرى مولوده طارق"، وتتوسل ببراءة ثكلى: "لو أنه رآه مرة واحدة لكانت لوعة قلبي عليه أقل". نقلت ذلك صحيفة "ذي أستراليان" عن زملاء خالد النائب في "جامعة ملبورن" حيث كان في إجازة بحثية، وذكرت أن لهفته لرؤية مولوده البكر جعلته يمتنع عن رؤية صوره التي بعثتها زوجته، وقرر أن يعود إلى بغداد ليراه بعينيه. وقالت الصحيفة إنه كان يجري أبحاثاً عن طفيليات متوطنة في العراق تسبب معدلات عالية للإصابة بسرطان المثانة، وكان بإمكانه طلب اللجوء، لكنه خشي أن يقضي ذلك على فرص حصول سبعة علماء عراقيين على زمالات بحثية في أستراليا. عاد خالد النائب إلى العراق، لإيمانه الساذج بأنه عالم لم يؤذِ أحداً، ولن يتعرض له أحد بالأذى. ذهب مباشرة من مطار بغداد إلى جامعة "بين النهرين" في منطقة الكاظمية. واختُطف عند مغادرته الجامعة. مكثت زوجته التي كانت قد هيأت له طبخاته المفضلة يومين قرب الهاتف، مبتهلة إلى الله أن يطلب المختطفون فدية. وتشبثت بالمولود في أحضانها عندما رنّ الهاتف، وأخبروها أن جثة زوجها وجدت مرمية في الشارع، وقد اخترمت خمس رصاصات رأسه ورقبته. أفلتت رضيعها وانهارت تصرخ، مولولة، ماذا ستقول، عندما يسألها ابنها يوماً: من قتل أبي؟ وأسرة النائب من الأسر العلمية المرموقة، ويُعتبر والده طارق حمدي، الذي يحمل حفيده اسمه، من أبرز عمداء كلية الطب في بغداد، وخاله فوزان النائب، أستاذ الطب في جامعة بغداد، وابنا عمومته رعد شاكر وسعد شاكر من علماء الطب المعروفين في بريطانيا. ولا يعرف أحد من اغتال خالد النائب وأكثر من 500 طبيب وعالم عراقي اغتيلوا منذ الاحتلال. الدوائر الأسترالية تتهم مليشيا "جيش المهدي"، وحتى لو صحّ ذلك، فإن المسؤولية الأساسية تتحملها أستراليا وشركاؤها في احتلال العراق. وأسأل الله البصيرة لكل من أذهلته فجيعة العراق فلم يعد يستطيع، أو لم يعد يريد، أن يدرك كيف بذلت واشنطن ولندن جهوداً شيطانية لإثارة البغضاء بين طوائف البلد المختلفة، والتي تعايشت بسلام عبر التاريخ. ويتعين على المجتمع العلمي العراقي الالتزام بالأمانة العلمية. فكل اتهام لطائفة، أو فئة، وكل تبرئة للمحتلين يعفيهم من المسؤولية، ويحرم ضحاياهم من الحصول على التعويضات، بحكم قوانين الاحتلال الدولية واتفاقيات جنيف. ولا شهادة تعادل شهادة شهداء العلم. عصام الراوي، أستاذ علوم الأرض في جامعة بغداد ورئيس "رابطة التدريسيين الجامعيين" سابقاً، يقول في شهادته التي تتصدر موقع إنترنت "المجلس البريطاني لدعم العلماء اللاجئين"، ما يلي: "في البلد الذي يتميز بفوالق سياسية وإثنية ودينية، ليس هناك، كما يبدو، مسار محدد لحملة الاغتيالات في الجامعات. فبين القتلى شيعة وسُنة وكرد وعرب، وأنصار مختلف الأحزاب السياسية. شيء واحد يربط بين الجميع، كونهم عراقيين". اغتيل الراوي عقب عودته من مؤتمر أوروبي للتضامن مع علماء العراق، نظمته "جامعة مدريد" في العام الماضي. وتتصدر صورته اليوم حملة "مجلس دعم العلماء اللاجئين" لجمع التبرعات لمساعدة علماء العراق. تدعو الحملة إلى تقديم الدعم المالي للتدريسيين العراقيين وأُسرهم، وتوفير فرص لهم في الجامعات البريطانية، وتحث الحكومة البريطانية على توفير ملاذ آمن لهم. ويحذر المجلس من أن التقاعس عن "مساعدة الزملاء العراقيين يعني الفشل في الوفاء بمبدأ الحرية الأكاديمية"، والذي يشكل أساس عمله. أين كان مبدأ الحرية الأكاديمية خلال الحظر الدولي على العراق، والذي استمر أكثر من 13 عاماً، واستنزف المجتمع العلمي العراقي، حسب شهادة منظمة "اليونسكو"؟ هكذا يتساءل علماء عراقيون، في بريطانيا نفسها، وهم يتبادلون رسائل عبر الإنترنت تشكك بجدية حملة مساعدة العراق، والتي لا تضمن حتى الحصول على سمة دخول. وتضمنت رسالة أستاذ عراقي في "جامعة ريدينغ" تفاصيل رفض سمة دخول زوجة باحث حاصل على زمالة دراسية لشك موظف في السفارة البريطانية في عمان بأن مجيء الزوجة يؤدي إلى "عدم عودته في المستقبل إلى العراق". وقارن ذلك بموقف السلطات البريطانية سابقاً، حين "كانت تمنح حق اللجوء لآلاف العراقيين بحجة ملاحقتهم من قبل النظام"! وفي رسالة أخرى نصح أستاذ عراقي في "جامعة أدنبره" المحتلين بمغادرة العراق، والذي "استطاع أن يتدبر أمره ثمانين عاماً من دون عون أميركي.. وقولوا لهؤلاء الذين أسسوا بيزنس الطائفية الغبي أن يغادروا البلد"! وتكشف السير الذاتية لشهداء العلم عن غباوة دعاوى الطائفية. فخالد النائب على سبيل المثال من أسرة سُنية عريقة في بغداد، وأرملته من أعرق الأسر الشيعية التي يعود أصلها إلى الإمام موسى الكاظم رضي الله عنه. والحارث عبدالحميد، أستاذ علم النفس، ورئيس مركز الصحة النفسية سابقاً في جامعة بغداد، سُنيّ من ناحية الأب، وشيعي من ناحية الأم. وكان الحارث الذي اغتيل بعد يومين من حديثه في فضائية "الجزيرة" الإنجليزية عن ذبح العراقيين في المستشفيات، يُردد دائماً قول الإمام عليّ عليه السلام: "الناس صنفان، أخٌ لَكَ في الخَلق، وأخٌ لَكَ في الدين". تذكر ذلك أرملته الشابة ميساء حسام جابر التي تشرف حالياً على إصدار آخر كتبه، وعنوانه "مهنتي كإنسان". وتتداخل العلوم والفنون في الحارث بشكل يثير الدهشة. فهو حاصل على ليسانس آداب في الدراسات الإسلامية واللغة العربية من جامعة الأزهر بالقاهرة، وبكالوريوس في الطب والجراحة من جامعة بغداد، ودبلوم في الدراسات الموسيقية من معهد الفنون الجميلة ببغداد، وماجستير في الطب النفسي والأمراض العصبية من جامعتي لندن ودبلن. ورئس الحارث أقسام الأمراض النفسية والعصبية في مستشفيات عدة في العراق بينها "مستشفى القوة الجوية والدفاع الجوي". ويُعتبر من رواد علم "الباراسايكولوجي"، وهو "علم التخاطر" الذي يبحث في تبادل الأفكار عن بُعد وغيرها من الظواهر النفسية الخارقة. وأشرف الحارث على ما يزيد عن 30 أطروحة دكتوراه وماجستير، بينها أطروحة زوجته في الأدب الإنجليزي بكلية التربية للبنات بجامعة بغداد. موضوع الأطروحة "الجنون في قصص إدغار ألن بو". ولا يمكن أن يخطر حتى لألن بو، الذي يُعتبر أغرب الأدباء الأميركيين، وأكثرهم توحشاً، و"فانتازية" أن يكون موضوع بحث أكاديمي لزوجين عراقيين في عز حصار واشنطن للعراق عام2001! أيُّ نعي للحارث أشدّ شجناً من قصيدة ألن بو: "كل ما رأيناه وتراءى لنا كان حلماً في حلم"؟.. وهل هناك تحية لأرملته ميساء جابر أعذب من قول ألن بو: "هذه العذراء عاشت بفكرة واحدة، وهي أن تحبني وأن أحبها"؟ Classifications