شرعت الحكومة النيجيرية أول من أمس الثلاثاء، في رفع دعوى قضائية ضد شركة "فيزر" الأميركية (Pfizer)، أكبر شركات صناعة الأدوية في العالم على الإطلاق، متهمة إياها بإجراء دراسات طبية لم تلتزم بالمعايير الأخلاقية والعلمية المتفق عليها في مجال الأبحاث الطبية، ومطالبة بسبعة مليارات دولار كتعويض عن الضرر الذي لحق بمن خضعوا لتلك الدراسات. وتعود القصة إلى عام 1996، عندما انتشر وباء من التهاب الأغشية المغطية للمخ، والمعروف بالتهاب السحايا أو الحمى الشوكية (Meningitis)، بين الآلاف من سكان إقليم "كانو" النيجيري. وأمام هذه الفرصة الذهبية، سارعت "فيزر" في إجراء دراسة عملية على المصابين في إقليم "كانو"، مستخدمة عقار "التروفان" (Trovan)، وهو مضاد حيوي يفترض فيه علاج الحمى الشوكية. وبناء على نتائج تلك الدراسة، قررت الشركة طرح العقار في الأسواق العالمية في عام 1998. وسرعان ما أصبح "التروفان" واحدا من أكثر العقاقير مبيعاً على الإطلاق. وهو النجاح الباهر الذي ظهرت آثاره في نتائج مبيعات الربع الأول، حيث ارتفع مجمل مبيعات الشركة بنسبة 15% مقارنة بمبيعات السنة السابقة. هذا الارتفاع الهائل، فسره المحللون الماليون حينها، على أنه نتيجة النجاح الذي حققته مبيعات "التروفان". ففي السنة الأولى من طرحة في الأسواق، حقق "التروفان" مبيعات بأكثر من 160 مليون دولار، مع تواتر التوقعات بأن تتخطى مبيعاته المليار دولار سنوياً في المستقبل. ولكن على ما يبدو، أن الحظ لم يبتسم هذه المرة لمستثمري "فيزر"، كما ابتسم لهم سابقاً مع مجموعة كبيرة من العقاقير، مثل عقار "الفياجرا" الذي تخطت مبيعاته السنوية حاجز المليار دولار، وعقار "الليبيتور" الذي تزيد مبيعاته السنوية على 12 مليار دولار، ويستخدم في علاج ارتفاع الدهون في الدم، وغيرها من العقاقير فائقة النجاح (blockbuster drugs) والتي تزيد مبيعات كل منها عن مليار دولار سنوياً. فبعد أن أنفقت "فيزر" مئات الملايين من الدولارات على جميع مراحل الأبحاث والدراسات المتعلقة بهذا المضاد الحيوي، وبعد أن بدأ المستثمرون في جني الأرباح، نشرت صحيفة "واشنطن بوست" الأميركية تحقيقاً في ديسمبر عام 2000، وقع كالصاعقة على الجميع، مستثمرين وأطباء ومرضى وسلطات صحية. حيث ادعت الصحيفة أن الدراسة النيجيرية التي اعتمدت عليها الشركة بشكل كبير في الحصول على الموافقة الحكومية الأميركية لبيع الدواء، تمت دون علم السلطات الصحية النيجيرية، ودون موافقة أهالي الأطفال. ومما زاد الطين بلة، تواتر الادعاءات والاتهامات بعدها، بأن تلك الدراسة تسببت في وفاة أكثر من 200 طفل، وفي إصابة عدد آخر منهم بإعاقات عقلية وبدنية. ففي يونيو عام 1999، وفي الوقت الذي كان "التروفان" يوصف لأكثر من 300 ألف مريض شهرياً في الولايات المتحدة فقط، وجهت هيئة الأغذية والعقاقير الأميركية نصيحة للأطباء بالحرص عند وصف "التروفان" للمرضى، بعد أن ظهرت علاقة قوية بينه وبين العديد من حالات فشل الكبد الحاد، ووفاة البعض منها. وهو ما حدا أيضاً بالهيئة الحكومية المسؤولة عن تنظيم قطاع الدواء في الاتحاد الأوروبي (Committee for Proprietary Medicinal Products)، إلى توجيه نصيحة للمفوضية الأوروبية، بضرورة وقف مبيعات "التروفان" لمدة عام على الأقل. هذه القصة، التي لا زالت مستمرة لأكثر من عشر سنوات، تطرح الكثير من الأسئلة، وتلقي الضوء على العديد من الجوانب اللاأخلاقية لصناعة الدواء العالمية. فالشركة تدعي أنها حصلت على موافقة السلطات الصحية المحلية قبل بدء الدراسة، وهو إن كان صحيحاً، فهناك شبهة كبيرة بأنهم حصلوا على تلك الموافقة عن طريق الرشاوى، أو أن تلك الموافقة أخذت من غير المختصين، أو من غير المعنيين بمنح مثل تلك الموافقات. وتدعي الشركة أيضاً أنها حصلت على (الموافقة الشفهية) من الأهالي قبل تجربة العقار على أطفالهم، وهو أمر إن كان حصل بالفعل، فإما أن يكون قد حدث دون شرح وافٍ للآباء عن مخاطر هذا العقار، أو أنها موافقة انتزعت تحت ضغوط الحاجة، في ظل عدم وجود بديل آخر لعلاج هؤلاء الفقراء في تلك المناطق الريفية النائية. والأدهى والأضل سبيلا من ذلك، هو كيف حصل مثل هذا العقار على موافقة السلطات الصحية الأميركية والأوروبية، دون أن يبحث أحد في طريقة تركيب وتنظيم الدراسات التي أجريت عليه، ودون الانتباه لعلاقته الشديدة بفشل الكبد الحاد. ومثل هذه النقطة تعيد للأذهان مرة أخرى الاتهامات التي يوجهها البعض من حين إلى آخر لتك الجهات التنظيمية، وهي الاتهامات التي تدور حول التواطؤ الضمني لتلك الجهات مع عمالقة صناعة الدواء. فالمعروف أن هؤلاء العمالقة، يتمتعون بعلاقات سياسية قوية ضمن ما يعرف بـ"لوبي صناعة الدواء"، كما أنهم دائماً ما يحملون في جيوب معاطفهم رزماً من دفاتر الشيكات السمينة. وأثر هذه العلاقات والشيكات، بدا واضحاً من فشل عائلات الضحايا، ومعهم الحكومة المحلية لإقليم "كانو" في الحصول على أية تعويضات حتى الآن، بعد سنوات من الدعاوى القضائية. وحتى قرار الحكومة النيجيرية الأخير بأن تلقي بكامل ثقلها خلف هذا الموضوع، لا يتوقع أن يجديهم نفعاً. وتظل الحقيقة المستقبلية الأكيدة، هي استمرار شركات الأدوية متعددة الجنسيات في استخدام أفراد دول العالم الثالث كفئران تجارب، أي كوسيلة سهلة وغير مكلفة، لتحقيق أكبر قدر ممكن من الأرباح والعوائد من عقاقير مشكوك في سلامتها أو حتى فعاليتها من الأساس. د. أكمل عبد الحكيم