يتوقع لموسم الأعاصير القادم في المحيط الأطلسي، والذي بدأ رسمياً في الأول من شهر يونيو الجاري، أن يكون أكثر نشاطاً من المعتاد. هذا ما أفادت به توقعات ثلاث هيئات للأرصاد الجوية، من بينها "الإدارة الوطنية لشؤون المحيطات والغلاف الجوي" التي نشرت تنبؤاتها الموسمية قبل بضعة أيام. ووفقاً لتلك الهيئات الثلاث، فإنه يتوقع أن تتعرض الولايات المتحدة إلى 17 عاصفة مدارية، منها ما ستتحول إلى أعاصير، بينها خمسة ستكون شديدة القوة، بسرعة رياح تتجاوز 111 ميلاً في الساعة، فضلاً عن احتمال ارتفاع الأمواج خلالها تسعة أقدام عن المستوى المعتاد. بناء على السجلات التاريخية، فإن ذلك النوع من العواصف كان يحدث كل 25 أو 40 عاماً... بيد أن التوقعات تشير إلى أن المرحلة الحالية ستشهد موسماً أكثر عنفاً من المألوف. وفي توقع آخر لـ"مركز بينيفيلد لأبحاث المخاطر" (جامعة "كوليدج" البريطانية)، قد تتعرض السواحل الأميركية في الفترة بين شهري يونيو ونوفمبر المقبلين، إلى عدد كبير من الأعاصير يكفي لجعل هذا الموسم ثالث موسم من حيث شدة الأعاصير منذ بدء تسجيلها رسمياً. ويبرر خبراء الرصد الجوي تلك التوقعات بظاهرة "النينو" التي شهدتها بعض الأجزاء الاستوائية من المحيط الهادي أواخر الصيف وقبل بدء موسم العواصف، وهو ما دفعهم إلى الاعتقاد بأن عدداً كبيراً من الأعاصير ستجتاح السواحل الأميركية. وحسب الخبراء فإنه عندما تظهر بوادر "النينو"، فهي عادة ما تكبح عملية تشكل الأعاصير على سواحل الأطلسي. وإلى ذلك فإن طبقة الغبار التي تتشكل في الأجواء، وتمتد عبر المحيط الأطلسي قادمة من أفريقيا الغربية، تضع حداً لعملية تشكل العواصف أيضاً، وتبقيها دون مستوى الأعاصير الموسمية. بيد أن هذه الظروف الكابحة لظهور الأعاصير على سواحل الأطلسي، من غير المتوقع أن تتكرر مجدداً. فقد تلاشت ظاهرة "النينو" المساعدة، وهو ما دفع خبراء الأرصاد في "الإدارة الوطنية لشؤون المحيطات والغلاف الجوي" (الولايات المتحدة) إلى توقع الأسوأ، لاسيما أن ظاهرة أخرى تعرف باسم "النينيا" قد غدت مرشحة للظهور. وتتضافر هذه العوامل مع مؤشرات تطال تغيرات في الغلاف الجوي والمحيط الأطلسي تنذر جميعها بأن هذا العام سيشهد نشاطاً ملحوظاً للأعاصير. وتأتي هذه التوقعات وسط نقاش محتدم حول مستقبل الأبحاث العملية المتعلقة بتحسين عملية رصد العواصف. فقد أعلن "كونارد لوتنباشير"، المدير الإداري في "الإدارة الوطنية لشؤون المحيطات والغلاف الجوي" أن الولايات المتحدة تنفق ما لا يقل عن 300 مليون دولار لدعم الأبحاث في مجال الأعاصير وتطوير وسائل الرصد، أي ما يساوي الخصومات التي قامت الإدارة باقتطاعها من ميزانية "برنامج أبحاث العواصف الشديدة". ويذكر أن نسبة الخصم من ميزانية "الإدارة الوطنية لشؤون المحيطات والغلاف الجوي" لعام 2007 تبلغ 10%، رغم أن هناك حاجة ماسة لزيادة الإنفاق على الأبحاث التي تجريها تلك الإدارة، وخصوصاً في مجال مواجهة الأعاصير. وهذا النوع من العواصف يأتي على رأس الظواهر الطبيعية التي تتعرض لها أميركا، من حيث حجم الخسائر التي تسببها، حسب "روجر لوكاس" الباحث في مجال الأعاصير بجامعة "هاواي" في مانوا. ويؤكد" لوكاس" أن "حجم الدمار الذي يسببه هذا النوع من الأعاصير يعادل حجم الدمار الذي ينتج عن الزلازل عشر مرات على الأقل... ومع ذلك فالإنفاق على أبحاث الأعاصير لا يتجاوز عُشر حجم الإنفاق على أبحاث الزلازل. ويذكر أن الدكتور" لوكاس" هو أحد عالمين يقودان المجهود البحثي المسمى"هاي فاي"، وهو مشروع لا يزال في بداياته الأولى، ويهدف إلى تطوير القدرة على التنبؤ بدرجة شدة الأعاصير، وتطوير القدرة على تقديم إنذارات- في الوقت المناسب- بشأن التأثير الكامل الذي يتوقع أن تحدثه عاصفة من العواصف أو الأعاصير عند اقترابها من السواحل. ويذكر أن الفريق الذي يضطلع بتنفيذ مشروع"هاي فاي" قد اقترح إنفاق 25 مليون دولار سنوياً لمدة عشر سنوات، من أجل تطوير عملية التنبؤ بالأعاصير. وقد تم تقدير هذا المبلغ بناء على عدد من الاعتبارات منها على سبيل المثال الحاجة الماسة للاعتماد بشكل كثيف على المركبات الروبوتية، والجوية والمائية، لاستكشاف تلك المناطق التي تقع في الغلاف الجوي أو في أعماق المحيطات والتي لا يستطيع البشر أن يستكشفوها أو يصلوا إليها بشكل آمن خلال العواصف. ومن الاعتبارات التي تم الاستناد إليها كذلك في تحديد قيمة تلك المخصصات، المدة التي سيستغرقها المشروع، وهي 10 سنوات كما تمت الإشارة إلى ذلك من قبل. والغرض من طول تلك المدة هو إتاحة الفرصة للقائمين على المشروع لتطبيق أبحاثهم على أكبر عدد ممكن من عينات العواصف والأعاصير المختلفة، للتوصل في النهاية إلى نماذج فعالة للتنبؤ بدرجة شدة العواصف والأعاصير. ويعلق الدكتور "لوكاس" على ذلك بقوله: "في المواسم العادية يحتاج الباحثون لإجراء أبحاثهم على عدد من العواصف (6 أو 7 عواصف). لكننا في هذا المشروع، بحاجة لإجراء أبحاث على عدد يتراوح بين 20 و30 عاصفة حتى نكون واثقين من الاستنتاجات التي نتوصل إليها". ويقول لوكاس "إن إضافة 250 مليون دولار سنوياً لمدة 10 سنوات من أجل تحقيق هذا الهدف، ورغم أنه يمثل قفزة كبيرة، فإنه في الحقيقة يعتبر ثمناً متواضعاً للغاية بالنظر إلى حجم الفائدة التي ستترتب على المشروع، وبالنظر إلى جسامة الخسائر التي يمكن للأعاصير أن تتسبب فيها". بيتر.إن. سبوتس ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ كاتب أميركي متخصص في الشؤون العلمية ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"