في ضوء التوتر المتصاعد بين واشنطن وموسكو، فإن الأمر المرجح هو أن يستغل الرئيسان جورج بوش وفلاديمير بوتين فرصة لقاء يعقد في ألمانيا هذا الأسبوع للتركيز على مجال، يبدو أن لهما فيه مصلحة مشتركة وهو: الإبطاء من قدرة إيران على إنتاج الوقود النووي. بالنسبة لكل شيء آخر بدءاً من استقلال كوسوفو، والدفاع الصاروخي، والانعطافة الحادة في موسكو نحو السلطوية، يقول مساعدو الرئيس بوش إنهم لا يملكون الكثير من القدرة على الضغط على بوتين. وفي نهاية الأسبوع الماضي هدد الرئيس الروسي مرة أخرى بإعادة توجيه الصواريخ الروسية تجاه أهداف أوروبية، إذا ما مضت الولايات المتحدة قدماً في خططها لبناء منظومة دفاع صاروخي في بولندا وجمهورية التشيك. وعندما وجه صحفي سؤالاً إلى بوتين في الآونة الأخيرة حول احتمال عودة المواجهة المتوترة التي كانت سائدة بين الدولتين في عهد الحرب الباردة، رد بوتين بقوله"نحن بالفعل نعود الآن إلى تلك الفترة". ويقول المراقبون إن العلاقة بين البلدين، قد وصلت إلى أدنى مستوياتها منذ نهاية الحرب الباردة في الوقت الراهن، وأنها مرشحة للمزيد من التدهور. وعلى ما يبدو أنه حتى الدعوة الشخصية التي وجهها بوش لبوتين لزيارة عائلته في مجمعها السكني في "كينيبنكبورت"- ولاية "ميان"، لن يكون لها تأثير كبير في التخفيف من حدة التعليقات التي يدلي بها بوتين. وقد وصف "ستيفن هادلي" مستشار الرئيس بوش للأمن القومي تصريحات بوتين بأنه ا"لا تساعد" أي لا تساعد على تحسين العلاقات بين البلدين... وهي عبارة استخدمها "هادلي" مرات عديدة في الأسابيع الماضية كرد فعل على تصريحات القيادة الروسية. في الشهر الماضي قام الرئيس بوتين بمقارنة تكاد تكون مكشوفة بين السياسة الخارجية للولايات المتحدة الأميركية والسياسة الخارجية للرايخ الثالث في ألمانيا ما قبل الحرب العالمية الثانية حذر فيها من "تهديدات جديدة"، كما لفت فيها الانتباه إلى تلك السياسة التي تتبعها الولايات المتحدة، مقارناً بينها- تلميحاً- وبين سياسات "الرايخ الثالث" من حيث أنها "تتسم بنفس الاحتقار للحياة البشرية، ونفس الادعاءات بالاستثنائية والتفرد، وفرض الإملاءات على العالم". في الوقت نفسه، أدلى" ديفيد كرامر" نائب مساعد وزيرة الخارجية الأميركية للشؤون الأوروبية واليورو آسيوية، بتصريح اتسم بحدة العبارة اتهم فيه روسيا بأنها "تمارس البلطجة على جيرانها وتعمل على إخراس أي معارضة سياسية في بلدها"، الأمر المهم فيما يتعلق باجتماع الدول الصناعية الثماني الكبرى في" هايليجندام"- ألمانيا، والزيارة التي سيقوم بها بوتين إلى"كينيبنكبورت"يتركز حول ما إذا كان الرئيسان سيتمكنان من تجاوز مرحلة التراشق اللفظي، وينخرطان في تعاون حقيقي أم لا... وإذا لم يتمكنا فما هو الشيء الذي ستقوم به الولايات المتحدة حيال هذا الأمر؟ ويذكر أن هناك أسئلة مماثلة كانت قد طرحت قبل لقاء الرئيسين في قمة الدول الثماني الصناعية الكبرى، والتي عقدت في مدينة سان بطرسبرج- روسيا العام الماضي. وقد أدلى "زبيجنيو برجينسكي" الذي عمل مستشاراً للأمن القومي للرئيس الأسبق "جيمي كارتر" بدلوه في التعليق على التوتر في العلاقات بين بلاده وروسيا بقوله:"أعتقد أن هناك قهقهات ساخرة قد انطلقت في القاعات المزخرفة للكريملن عند وصول الدعوة لزيارة (كينيبنكبورت)... لقد ظل بوتين مزدرياً الولايات المتحدة طيلة العام الماضي فماذا كانت النتيجة؟ لقد وجه إليه بوش دعوة لحضور تجمع عائلي". ويقول بعض الخبراء إن الغرض من تلك الدعوة تجنب حدوث أي انفجارات محتملة خلال اجتماع"هايليجيندام" من خلال تمكين الرئيسين من تأجيل محادثاتهما الفعلية حتى شهر يوليو المقبل. ويقول خبراء آخرون إنه في كل مرة يتم فيها توقع حدوث مواجهات بين الرئيسين لا يحدث شيء. ولكن ذلك لا ينفي أنه ليس هناك ضمانات لعدم حدوث ذلك. من هؤلاء الخبراء "ستيفن سيستانوفيتش" الخبير في الشؤون الروسية بمجلس العلاقات الخارجية الذي قال:"من الواضح أن بوتين يمر بحالة مزاجية في الوقت الراهن، تدفعه إلى إطلاق التصريحات التي تزداد درجة حدتها يوماً بعد يوم... هناك من يقول إن هناك احتمالاً بأن تتملكه تلك الحالة في قمة الدول الصناعية الكبرى، وتدفعه إلى افتعال مشاجرة مع الأميركيين... ولكني من واقع معرفتي بشخصية بوتين أقول إن ذلك ليس من عادته في مؤتمرات القمة وخصوصاً قمة الدول الثماني الصناعية الكبرى، لأن الروح السائدة فيها، هي روح الزمالة الحقة والأخلاق الحميدة". ولكن تلك الروح لم تكن هي الروح التي ميزت "بوتين" خلال العام الأخير، حيث أدلى بتصريح اتسم بلهجة حادة في منتدى الدفاع الأوروبي، أدان فيه الممارسات الأميركية وهو تصريح رد عليه وزير الدفاع الأميركي في ذلك الوقت بتصريح مقابل معتدل، ولكنه مفعم بالسخرية. يعلق "برينت سكوكروفت" الذي كان مستشارا للأمن القومي لجورج بوش الأب، وكان أيضاً مهندساً لسياسة التقارب الجديدة مع موسكو على ذلك الخطاب لـ"فلاديمير بوتين" بقوله:"ليس هناك شك في أن الخطاب قد احتوى على العديد من العبارات الخشنة، والعديد من الجوانب السلبية، ولكننا يجب أن نقرأ الخطاب بأكمله وخصوصاً الجزء الأخير منه الخاص بالمسائل النووية، والذي أشار فيه بوتين إلى العديد من المجالات التي يمكن أن تتعاون فيها بلاده مع الولايات المتحدة الأميركية". ويقول بعض المنتقدين للإدارة الأميركية إن التدهور الذي تشهده العلاقات الأميركية- الروسية في الوقت الراهن، هو نتاج فرعي لتركيز بوش القوي على بناء علاقات شخصية مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بدلاً من بناء علاقات استراتيجية مع روسيا ذاتها. وعلق "سيستانوفيتش" الخبير في الشؤون الروسية على ذلك بقوله: "لقد كان بوش يأمل في التغلب على التوترات القائمة والقديمة بين البلدين، من خلال إقامة علاقة شخصية وثيقة مع فلاديمير بوتين، ولكن المشكلة أن بوتين قد تحول من رئيس بدا مصمماً على تحديث بلاده، إلى رئيس أوتوقراطي مستبد معاد للغرب في الوقت الراهن. ونظرا لأن قمة الثماني الكبار ستكون هي آخر قمة يحضرها بوتين والقمة قبل الأخيرة لبوش فإن "سيستانوفيتش" يقول إننا إذا أردنا أن نعرف كيف ستتطور العلاقة بين الدولتين، فإننا يجب أن ننتظر لعام 2009 أي بعد أن يكون بوتين ومن بعده بوش قد تركا الحكم. شيريل جاي ستولبيرج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسل "نيويورك تايمز" في براج ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ديفيد سانجر ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ مراسل "نيويورك تايمز" في موسكو ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"