ينظم "سوق أبوظبي للأوراق المالية"، خلال الأيام المقبلة، ملتقيات اقتصادية في لندن ونيويورك، وذلك في إطار خطته للتعريف بالفرص الاستثمارية المتوافرة بالسوق، واستقطاب مزيد من الاستثمارات الأجنبية التي بدأ بعضها يتوجّه بالفعل نحو هذا السوق، الذي يشهد ومنذ أسابيع عدة مساراً متصاعداً نجم عن دخول متزامن لكل فئات الاستثمار إلى السوق وتوافق تام في رؤية شرائح السوق كافة لاتجاه حركة الأسعار، ما أضفى موجة من التفاؤل تسود المحليين والمستثمرين على حدٍّ سواء باستمرار تحسُّن أداء السوق خلال المرحلة المقبلة. إن دعوة "الاستثمارات الأجنبية" للدخول إلى "سوق أبوظبي للأوراق المالية" هو أمر يستحق الوقفة والدراسة المتأنية لبحث دواعيه وأسبابه وتوقيته وأهدافه، إذ إن الجدل المحتدم حول جدوى "الاستثمارات الأجنبية" في هذه السوق لم يحسم بعد. فهناك من يعتبر أن "الاستثمار الأجنبي" يهدف إلى الربح السريع من خلال المضاربة، وهو بالتالي لا يسهم في توليد طاقة إنتاجية جديدة، ولا يضيف شـيئاً ذا أهمية بالنسبة إلى الاقتصاد. في ظل الطفرة الأخيرة التي بدأ يشهدها "سوق الأسهم"، مؤخراً، بعد ركود طويل استمر لأكثر من عام ونصف، بدأت تتبلور مخاوف حقيقية من أن الارتفاع السريع للأسعار من الممكن أن يدفع العديد من المحافظ، وخصوصاً الأجنبية منها التي بدأت بالشراء، منذ أشهر عدة، تحقق العائد المستهدف، وتنسحب من السوق سريعاً، خصوصا أن المحافظ الأجنبية أصبحت متنوعة الآن، فمنها ما يستثمر للمدى المتوسط أو الطويل ومنها ما يتحرك على أساس المضاربة. فـ"الاستثمار الأجنبي" أياً كان طابعه القانوني، يسعى للدخول إلى السوق المحلية للاستفادة من الإمكانات والوفورات والمزايا والفرص المتاحة، وهو لا يتورع عن الانسحاب المفاجئ من هذه السوق حينما يحقق أهدافه الوقتية ولاسيما إذا وجد فرصاً أكثر إغراءً في أسواق أخرى، الأمر الذي يشكّل مخاطر حقيقية ومصدراً محتملاً للأزمات في هذه السوق. وإذا كانت فترة "الاحتفاظ بالأسهم" هي "الفيصل" في حسم الجدل المحتدم حول جدوى "الاستثمارات الأجنبية" من أساسها، فإن تجربة سوق أبوظبي، خلال الفترة الماضية، على محدوديتها، تؤكد أن فترة احتفاظ الأجانب بالأسهم كانت في الغالب قصيرة ومحدودة، وهم لذلك يدرجون تحت شريحة "المضاربين"، وبالتالي تعتبر أموالهم ساخنةً تدخل وتخرج بسرعة، وفي أوقات غير متوقعة، ما يتسبب في انعكاسات سلبية مباشرة في استقرار السوق وارتفاع مخاطرها. ولقد كان لـ"الاستثمار الأجنبي الفردي" دور واضح في إشعال "نار المضاربة" في السوق خلال الطفرة التي شهدتها، العام قبل الماضي، ودور واضح أيضاً في تعميق حدَّة تراجع السوق بعد ذلك. إن أي دراسة شاملة وموضوعية حول تجربة "السوق" مع "الاستثمارات الأجنبية"، خاصة الفردية منها، يمكن أن تكشف بوضوح عن مدى دور هذه الاستثمارات في تعميق حدَّة الأزمة التي ظلت "السوق" ترزح تحت وطأتها طوال الفترة الماضية. كل ذلك يستدعي ضرورة الانطلاق من خطط ودراسات واستراتيجيات واضحة بشأن "الاستثمار الأجنبي"، ليس في "سوق الأسهم" وحده، بل وفي جميع القطاعات الاقتصادية الأخرى، إذ إن الانفتاح غير المدروس أمام "الاستثمارات الأجنبية" هو أمر في غاية الخطورة، ومن الممكن أن تتحول "التدفقات الرأسمالية" و"الاستثمارات الأجنبية" إلى وسائل تدمير وتحطيم للمرتكزات الاقتصادية للدولة، خاصة إذا كانت درجة الانفتاح عالية ولا تضع ضوابط وقيوداً واضحة ودقيقة تحكم وتؤطر دور هذه "الاستثمارات" في "الاقتصاد القومي" بشكل عام. ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ عن نشرة "أخبار الساعة" الصادرة عن مركز الإمارات للدراسات والبحوث الاستراتيجية.