دونالد رامسفيلد، وزير الدفاع الأميركي انتقد التغطيات الألمانية في العراق واعتبرها "أسوأ" و"أقل موضوعية" من تغطيات قناة "الجزيرة". رامسفيلد الذي شن حربا على الإعلام العربي موازية لحربه على العراق يوسع الآن من نطاق تلك الحرب ليشمل بها جهات عديدة من الإعلام العالمي والغربي نفسه. ما دأب الأميركيون على نقده إزاء التغطيات الإعلامية في العراق أصبح لا معنى له في ضوء الدراسات والبحوث والقراءات الموضوعية العديدة التي صدرت وما تزال تصدر في الغرب حول هذا الموضوع. فمن ناحية أولية وأساسية أصبح من المعروف أن الإعلام الأميركي الرسمي وشبه الرسمي، إلى جانب جزء كبير من الإعلام البريطاني والعالمي، قد تبنى الأكاذيب الكبرى التي بنيت على أساسها فكرة الحرب برمتها وأهمها مسألة امتلاك العراق لأسلحة دمار شامل وقدرته ونيته على استخدامها. ومن ناحية ثانية فإن بقية وسائل الإعلام "المنشقة"، أي تلك التي لم تخضع لماكينات (البروباغاندا) الأميركية، كانت هي التي قدمت الصورة الأخرى للحرب، الصورة البشعة والتي لم يُرد للرأي العام العالمي أن يتابعها. ليس هذا معناه تنزيه ذلك الإعلام المتمرد عن الأخطاء والاختلالات، فهو أيضا يعاني من الكثير منها، لكن ما هو أهم من تلك الأخطاء كان توفير معادل موضوعي للضخ الإعلامي الهائل الذي كان يفيض من مراكز التوجيه الأساسية، إن من البيت الأبيض، أو "البنتاغون"، أو الخارجية الأميركية، أو قيادة القوات الأميركية في الدوحة خلال الحرب. كل تلك المراكز كانت تبث رسالة إعلامية يومية، أو حتى نصف يومية، موحدة هدفها، كما كانت تنص عليه استراتيجية البنتاغون "ضمان السيطرة على إعلام الحرب". وهو هدف إعلامي مخيف يتضمن إقصاء كل الإعلام الآخر ونفيه، أو تدميره إن لزم الأمر، وهو ما حدث في العراق (تأمل في العدد غير المسبوق من الإعلاميين الذي قتلوا أو جرحوا، وكذا استهداف المؤسسات الإعلامية).
ماكينة رامسفيلد الإعلامية الدعائية الفجة، على رغم بحر الأكاذيب المكشوفة الذي يموج حوله، تذكر على الفور بماكينة غوبلز راعي ماكينة هتلر النازية، وتذكر بنموذج جورج أورويل حول الإصرار المستميت على مواصلة الكذب بلا هوادة، لأن استمرار الكذب سوف يقلِب الرأي العام ويقنعه بالأكذوبة ولو بعد حين. الإعلام هو أحد أركان الحرب، قديما وحديثا ودائما. والإعلام الذي ساهم في هزيمة الولايات المتحدة في فيتنام أريد له أن يُكبّل منذ البداية وأن تُشل حركته في العراق. لهذا ابتكر البنتاغون فكرة "الصحفيين المرافقين" الذين رافقوا الوحدات العسكرية الأميركية والبريطانية واحتموا بدباباتها ونقلوا ما أراد القادة العسكريون له أن ينقل. ولهذا كان الجهد الأميركي-البريطاني الإعلامي الرسمي ضخما بكل المقاييس. ففي مرحلة ما قبل الحرب كان ذلك الإعلام يواجه تيارا عالميا كاسحا معاديا لها تمثل في المظاهرات المليونية التي عمت عواصم الغرب، وحركة "ضد الحرب" الواسعة والمعولمة. وخلال الحرب نفسها كان على ذلك الإعلام أن يواجه يومياتها، وخاصة في الأسبوع الأول، ليعضد من الجهد العسكري العام في أداء بارز لأبجديات الحرب النفسية، بما تضمنه ذلك من تصنيع أخبار مزيفة ونشرها. وفي مرحلة ما بعد الحرب، أي الآن، يواجه هذا الإعلام مآزق عدة، ليس أقلها مسألة التعامل مع الجهات العراقية التي تقوم بعمليات مسلحة الآن، ومسألة غياب مشروع سياسي واضح لعراق ما بعد الحرب، وهو يريد للإعلام العربي والعالمي المتمرد أن ينقل صورة زاهية عن عراق جريح.
قبل ذلك، وبشكل عام على الصعيد الأكاديمي، قدمت الأطروحات النظرية التي تدرس في جامعات الغرب حول الإعلام ودوره ومدارسه إنجازات هائلة، وأسست لهذا العلم أصولا متينة. وأهم ما قدمته في العقود الأخيرة هو ما يدور حول دور الإعلام في تبني منهج النقد والشك تجاه السلطة والقوة المسيطرة، باعتبار أن الإعلام هو السلاح الوحيد الذي يملكه الفرد إزاء سيطرة القوة وهيمنتها. تطور الإعلام الغربي بشكل مذهل وأصبح في بلدانه "سلطة رابعة" فعلاً، بإمكانها أن تسقط رؤساء وقادة وتضعهم تحت المجهر طوال مدة خدمتهم، وصار نموذجا يأمل تقليده كل الإعلام في بقية العالم. لكن القوة المهيمنة لم يكن لها أن ترتاح في ظل وجود إعلام يقظ وحر وضميري، فانخرطت في صراع مستميت ضده، تنتصر عليه في جولات، ويتنصر عليها في جولات أخرى. في حرب العراق، كان النصر الإعلامي ولو مؤقتا، وفي حيز الصراع الغربي-الغربي بين القوة والإعلام، لصالح القوة الغاشمة. وخرج الإعلام الغربي مثخن الجراح. الآن هناك اصوات لا تحصى تريد لملمة الجراح، ومعاودة الكر والهجوم ضد معاقل القوة التي شوهت الإعلام وحرفته عن حريته، وصادرت سلطته الرابعة.
السجال الإعلامي العالمي الآن له أكثر من بعد. واحد من تلك الأبعاد متعلق بالإعلام العربي وتغطيته لحرب العراق، وللوضع العراقي الحالي، ومدى موضوعية وشعبوية ذلك الإعلام. والاتهام الدائم الذي توجهه الإدارة الأميركية والبريطانية لهذا الإعلام صار يفقد أه