ضمن سلسلة خطاباته الوداعية، ألقى رئيس الوزراء البريطاني "توني بلير"، يوم الاثنين الماضي، كلمة أمام مؤتمر نظمته الحكومة حول موضوع الإسلام، أعلن فيها أن الأصوات الأصيلة في الإسلام يتعين تغليبها على أصوات التطرف. وأضاف "بلير"، الذي سبق أن صرح بأنه سيهتم اهتماماً خاصاً بالعلاقات بين الأديان عند مغادرته لمنصبه نهاية الشهر الحالي، قائلاً بأن المعنى الحقيقي للإسلام تعرض للخطف من قبل المتطرفين، موضحاً ذلك بقوله "إن الأصوات المتطرفة ليست أكثر تعبيرا عن الإسلام من ممارسة التعذيب الذي كانت تلجأ إليه الكنيسة في العصور الغابرة لإجبار الناس على اعتناق المسيحية". وقد شارك في المؤتمر مجموعة من القادة المسلمين في مصر وإندونيسيا والبوسنة وأوروبا الغربية، ثم الولايات المتحدة إلى جانب مجموعة أخرى مختارة بعناية من المسلمين البريطانيين في برنامج امتد على مدى يومين في لندن ورعته الحكومة البريطانية بتعاون مع جامعة كامبردج. وقد أثارت قائمة المشاركين، بعد أن خضعت لمفاوضات دامت عدة أسابيع، استياء العديد من المسلمين البريطانيين الذين اعتبروا المؤتمر محاولة أخرى لإضفاء الشرعية على سياسات "بلير" في العراق وأفغانستان، وتكريس دعم الحكومة البريطانية لمجموعات إسلامية دون غيرها. ويبدو أن المشاركين اختيروا لتعضيد مساعي الحكومة في التصدي للأصوات المتطرفة، حيث سبق للمسؤولين البريطانيين أن تحدثوا عن "تحصين" المسلمين في بريطانيا ضد أخطار الفكر المتطرف. بيد أن اللورد أحمد الذي عينه حزب "العمال" بمجلس اللوردات أواخر التسعينيات، قال معترضاً "إنه أسلوب استعماري في تنظيم هذا المؤتمر، حيث سعت الحكومة إلى تقسيم القيادة الإسلامية وتشكيل أخرى". وأضاف اللورد أحمد، الذي لم توجه إليه الدعوة لحضور المؤتمر إن الحكومة البريطانية أقصت القيادات التي تعارض سياسات "بلير" المتعلقة بالحد من الإرهاب، فضلاً عن سياساته في العراق وأفغانستان، موضحاً ذلك بقوله "إنهم وجهوا الدعوة لأشخاص لم يعبروا عن رأيهم حيال سياسات بلير، أو فضلوا التزام الصمت". وعبر اللورد أحمد عن انزعاجه من توجيه الدعوة إلى رئيس الوزراء الباكستاني "شوكت عزيز" متسائلاً "ماذا يستطيع رئيس الوزراء الباكستاني تقديمه لبريطانيا فيما يتعلق بالعدالة وحكم القانون؟". ومن جانبه أعلن أحد أكثر المتحدثين شعبية عن الإسلام في أوساط المسلمين البريطانيين "طارق رمضان" قبل عدة أسابيع بأنه تلقى الدعوة للمشاركة في المؤتمر، لكنه متخوف من استغلاله من قبل حكومة "توني بلير". واللافت أن "طارق رمضان" الذي سبق وأن شارك في فعاليات حكومية أخرى، ومنعته إدارة الرئيس بوش من دخول الولايات المتحدة، فضل عدم المشاركة في هذا المؤتمر. ومن بين الحاضرين الذين وجهت لهم الدعوة يوجد أكاديميون مسلمون يدرسون في الجامعات البريطانية، وعضوان برلمانيان عن حزب "العمال"، فضلاً عن ممثلين عن منتدى مسلمي بريطانيا والمجلس الصوفي للمسلمين. وقد سعى "بلير" جاهداً خلال المؤتمر للإشادة "بالأغلبية الساحقة" من المسلمين "الذين يسعون إلى الاضطلاع بدورهم كمواطنين مخلصين لبلدانهم ولدينهم"، مضيفاً "وهذا بالطبع مناقض لتلك الصورة النمطية التي تروج لها وسائل الإعلام وتؤدي إلى إذكاء الخوف من الإسلام". وأقر "بلير" بأنه أدرك أخيراً أن التدابير الأمنية ليست الطريقة الوحيدة القادرة على معالجة مشكلة التطرف الإسلامي، قائلاً "لقد أصبحت أكثر وعياً بأننا لن نهزم التطرف عن طريق الأمن، إننا سنهزمه فقط إذا ما طرحنا أفكاراً أقوى من طروحاتهم". جين بيرليز ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ محرر الشؤون الخارجية في "نيويورك تايمز" ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "نيويورك تايمز"