منذ ستين عاماً، دعا وزير الخارجية الأميركي علناً، إلى حزمة مساعدات كبرى، من أجل تغيير طبيعة سياسات أوروبا في فترة ما بعد الحرب. وكان الغرض من صياغة برنامج الإنقاذ الأوروبي الذي عُرف في الأدبيات السياسية بـ"خطة مارشال"، هو تحقيق ثلاث أولويات لإدارة "ترومان" هي:إعادة الاستقرار للاقتصاد الأوروبي، تشجيع التكامل بين دول أوروبا في فترة ما بعد الحرب، وتجنب تمدد الأيديولوجية الشيوعية غرباً. ومسألة أن تلك الأهداف الثلاثة قد تحققت لحد كبير هي مسألة لم تعد بحاجة إلى جدال حالياً. فقد يختلف المؤرخون بشأن مقدار الفضل الذي يمكن أن ينسب لخطة مارشال لنجاحها في تحقيق تلك الإنجازات، إلا أنه يمكن القول مع ذلك، إنه كان من غير المرجح أن تتمكن أوروبا من النهوض على الساحة العالمية كقوة اقتصادية متكاملة أيديولوجياً، من دون تلك الخطة. وعندما ننظر إلى العلاقات عبر الأطلسية اليوم، فإننا سنجد أنها تمثل خليطاً من النجاحات والتحديات العديدة مما يجعلني لا أتردد في القول إن الولايات المتحدة وأوروبا سيحسنان صنعاً إذا احتفلتا بالذكرى الستينية لخطة مارشال بمزيج من الرضا والتواضع. فمظاهر التوتر الأخيرة في العلاقات بين الولايات المتحدة الأميركية وحلفائها الأوروبيين الأقربين،تجعل من قيام الأميركيين بالتباهي بصوت عال بمساهمتهم في استعادة أوروبا لعافيتها بعد الحرب العالمية الثانية، أمراً يمكن وصفه بأنه ليس من الكياسة في شيء. غير أن ذلك لا يمنع من القول إن هناك فائدة ترتجى من تأمل الدروس المستفادة من تلك الخطة. من بين تلك الدروس أن الأبعاد الاقتصادية لتلك الخطة كانت هائلة حيث قدمت الولايات المتحدة عبرها مساعدات بلغت 13 مليار دولار إلى أوروبا خلال أربع سنوات فقط بعد الحرب. بيد أن الأبعاد السياسية لتلك الحرب، كانت هي التي ترتبت عليها تداعيات فاقت ما ترتب على أبعادها الاقتصادية، لأن تلك الخطة "كانت في الأساس خطة تتعلق بالعقول والقلوب وليس بالأفواه والبطون فقط". كما قال المؤرخ "ديفيد رينولدز" في عدد مايو/يونيو 1997 من مجلة" فورين أفيرز"، ولم تتأثر الخطة في ذلك الوقت سوى ببرنامج شبيه بما نطلق عليه الآن اسم "الدبلوماسية العامة" وهو برنامج كان ذا أبعاد ضخمة، ولم تدخر فيه الولايات المتحدة وسعاً في إقناع الأوروبيين بأن تلك الخطة كانت في مصلحتهم. بهذا المعنى يمكن القول إن هناك سمة تتميز بها "خطة مارشال"، توحي بأن المساعدات الاقتصادية في بعض الأحيان، يمكن أن ينتج عنها انتصارات أيديولوجية وتحولاً ثقافياً. فتحول أوروبا ما بعد الحرب من حفنة من الديمقراطيات عام 1947 إلى اتحاد أوروبي مكون من 27 دولة، وإلى منظمة لحلف شمال الأطلسي تضم 26 عضواً، بالإضافة إلى أعضاء آخرين خارجها يتنافسون من أجل الانضمام إليها، يعيد تعزيز المشاعر الطيبة التي تكتنف المناقشات التي تدور حول خطة مارشال حالياً. ولكن وبصرف النظر عن المشاعر الطيبة، هناك سؤال يرد إلى الأذهان بشأن تلك الخطة هو: ما هو إرث خطة مارشال عام 2007؟ وهل يمكن تطبيق مبادئ الخطة على الظروف المختلفة جداً، والمماثلة في درجة تعقيدها، والسائدة في منطقة الشرق الأوسط حالياً؟ وهناك خمس نقاط يمكن تذكرها وتتعلق بالمبادئ الأكثر استمراراً لخطة مارشال أو المبادئ التي عاشت أكثر من غيرها، وهذه المبادئ جاءت في خطاب ألقاه "مارشال" في جامعة هارفارد عام 1947، أوضح فيه الخطوط العريضة لرؤيته المتعلقة بتجديد أوروبا. الأول،"أن الوضع الدولي خطير وشديد التعقيد، وأن ذلك يجب أن يكون واضحاً أمام الشعوب الذكية"- كان هذا ما قاله "مارشال" في ذلك العام، وهو ما يتردد صداه بقوة عام 2007. الثاني، أن الولايات المتحدة، والمتلقين الأوروبيين لـ"خطة مارشال" الأصلية- الذين أصبحوا أقوياء الآن- أمامهم التزام طبيعي بتقديم المساعدات. إنه من المنطقي الآن أن تقدم الولايات المتحدة ما تستطيع تقديمه للمساعدة على عودة الأوضاع الاقتصادية الطبيعية في العالم، والتي من دونها لا يمكن أن يكون هناك استقرار سياسي ولا سلام مضمون. الثالث، إن الغرض من إحياء الاقتصاد العالمي هو"السماح بتبلور الأحوال السياسية والاجتماعية، التي يمكن للمؤسسات الحرة في إطارها أن توجد، وتجد فيها"كل حكومة راغبة في المساعدة في مهمة استعادة العافية الاقتصادية تعاوناً كاملاً من الولايات المتحدة الأميركية". الرابع، لإنجاز مشروع مساعدات ضخم من النوع الذي كان "مارشال" يضعه في ذهنه، فإن الأمر سيتطلب"كسر الدائرة الشريرة واستعادة الثقة"، من قبل الدول المستلمة للمساعدات بحيث تكون قادرة على أن تحكم نفسها وخلق رخائها الخاص. فالمبادرة يجب أن تأتي من المتلقين للمساعدات، وأن يتم ذلك من خلال جهد جماعي. الخامس والأخير، هذا المجهود يجب أن يخترق الخطوط الحزبية" وألا يكون فيه للعاطفة والإنحيازات السياسية أي دور" هكذا قال مارشال عام 1947 وكان يقصد به أن "الجمهوريين" و"الديمقراطيين" يجب أن يعملا معاً من أجل هذا الهدف. ما نسي "مارشال" أن يقوله هو إن التحيزات البين حكومية تمثل تحدياً هي الأخرى. وإذا لم يتمكن الأميركيون والأوروبيون باعتبارهما حلفاء، يمتلكان تاريخاً وتراثاً مشتركاً من إيجاد نوع من التنسيق والانسجام في خطط المساعدات المقدمة للعراق وأفغانستان والأراضي الفلسطينية وغير ذلك من دول ومناطق، فإنه سيكون من الصعب المحافظة على بقاء روح خطة مارشال حية. من هذه الناحية فإن المقارنة الأكثر أهمية بين العالم المعقد في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية عام 1947، والعالم المعقد الذي لا يزال يسوده الصراع عام 2007، تتمثل في الحاجة- في الحالتين- إلى التغلب على المرارة واليأس والتطلع إلى النمط السليم من المساعدات، والموازنة بين الأنواع الاقتصادية والتعليمية والسياسية والعسكرية وغيرها من أشكال المساعدة. ولنتذكر ما قاله "مارشال" آنذاك:بـ"البصيرة الثاقبة، والرغبة من جانب شعبنا في التصدي للمسؤوليات العديدة الذي وضعها التاريخ على عاتق بلدنا، فإن الصعوبات التي أشرت إليها يمكن- بل ويجب- أن يتم التغلب عليها". ــــــــــــــــــــــ أستاذ السياسة الدولية والدراسات الديمقراطية بمركز "جورج سي مارشال الأوروبي للدراسات الأمنية" ــــــــــــــــــــــ ينشر بترتيب خاص مع خدمة "كريستيان ساينس مونيتور"