قال لي السيد "نبيل" وأنا أناقشه حول التفاسير، إنها لا تزيد عن مصادر يستأنس بها، وليست هي النصوص! قال: كلّما رجعت إلى الخلف عثرت على النصوص الأفضل، وهكذا فتفسير الطبري خير من ابن كثير، وابن عباس خير من الاثنين، لقربهم من مستودع الحقيقة النهائية... وهو أمر قد يمر على بعض العقول بإغراء مناسب، ولكن تأمله لا يقود إلا إلى كارثة فكرية، لأن القرآن تحتشد فيه مفاهيم كثيرة وضعت لتضيء حقائقها مع الزمن، وإلا اعتبرنا القرآن جاء محصوراً لقوم بعينهم وزمن محدد، وهو قول لا يقوله أنصار التيار السلفي أنفسهم، وهو دليل جديد على الدوغمائية، أي عدم القدرة على اكتشاف التناقض داخل نفس الفكرة، والإصرار على الفكرة حتى الرمق الأخير، حتى لو قامت كل الأدلة على نقضها... والنكبة الثالثة، هي الإبحار بزورق ضعيف مصمم لجدول رقيق هادئ، في بحر لجي بدون جؤجؤ وبوصلة وإسطرلاب وخريطة وزاد، فيكون مصيره ما حصل لحملة "قوبلاي خان" في غزو اليابان عام 1281. ثلاث كوارث عقلية متراكب بعضها فوق بعض: تعطيل القرآن (وهو الدستور الأساسي)، وإلغاؤه ونسخه وتجميد حركته من حيث لا يشعرون. وتعطيل عقلي في فهم حركة النصوص، وأن هناك دوما علاقة بين الحكم والعلة، وأن الحكم يدور مع العلة وجوداً وعدماً. وهو ما برع فيه علماؤنا قديماً ويحتاج للتجديد، أي بناء الفكر الديني على نحو عقلاني، بتأسيس علم عقلاني خالص، على غرار ما قام به الفيلسوف "إيمانويل كانط" في التنوير، حين وضع كتابه "نقد العقل الخالص"، وأعني بذلك العلم أصول الفقه. وهو ما دفع "أبو حنيفة" العراقي يومها عن قصد، في عدم اعتماد النصوص، إلا من خلال حركة العقل. ونحن حينما درسنا في كلية الشريعة لم ننتبه إلى هذا التوجه، وأن حديث الآحاد الذي هو جملة الأحاديث يفيد "غلبة الظن"، ولم يكن ذلك بالإمكان، والآن يضيء لي المعنى الذي هدفه (أبو حنيفة النعمان) بحركته العقلية، لفهم النصوص والأحكام، في جو من العقلانية المنظمة، كلفته حياته مسموماً في جو الاضطراب السياسي والاضطهاد العقلاني وطغيان الحاكم. والثالث هو الإبحار في "أوقيانوس" لجي بزورق نهري بدون خرائط وبوصلة وزاد ونجوم وإسطرلاب... فمرحى لرحلة من هذا النوع ولنتوقع غرق العالم الإسلامي الذي نراه الآن، وهو يناقش مشكلة إرضاع المراهق، لرفع مشكلة الخلوة مع أجنبية، وهو أمر متوقع لقوم كفوا عن العمل واشتغلوا بالسفاسف والجدل، كما كانت نهاية بيزنطة، يناقشون في جو كسول رتيب، من الثرثرة المملة، عن جنس الملائكة؟ هل الملائكة ذكور وإناث؟ المرأة تقطع الصلاة بين الحمير والكلاب السوداء، والماء يطهر بتغطيس الذباب، والشاب الذي يختلي بامرأة أجنبية عنده طريقة ممتازة لدفع الحرمة، وليس عليه سوى أن يلتقم ثدي امرأة تعمل معه في نفس القسم، فيمصه فتصبح المرأة حراما عليه لوجود نص بذلك؟! بعد خلع النص من كل إحداثياته وتاريخيته، لنسبح في بحر غامض من النصوص، ولنفتري على الله الكذب باسم الله.. لقد كان النيهوم صادقاً في عنوان أحد كتبه "محنة ثقافة مزورة"، وكذلك في عنوان كتابه الآخر "إسلام ضد الإسلام"... فهل حان الوقت لمراجعة مزعجة للتراث؟