تحظى العلمانية منذ فترة قصيرة بأهمية متزايدة وتحتل موقعاً متنامياً في حقل النقاشات السياسية العربية. ويتساءل كثيرون ممن تغريهم الدعوة الديمقراطية كمخرج من نظم الفساد والتعسف والطغيان، وفي الوقت نفسه يخشون أن يكون ذلك على حساب انسجامهم مع اعتقاداتهم الدينية، عما إذا كانت العلمانية شرطاً للديمقراطية. وفي دخيلتهم يأملون أن لا يكون الأمر كذلك، حتى يمكنهم التعبير عن اقتناعهم السياسي الجديد مع استمرار الوفاء لعقيدتهم الدينية. ولا أجد مبرراً لمثل هذا التخوف من تلازم المفهومين، والذي لا يزال يسيطر على أغلبية الرأي العام، سوى الظروف السلبية التي أحاطت بطرح العلمانية، لا بمضمونها. وأعني هنا ظروف سيطرة العقائديات الشمولية والنظم التسلطية والتعسفية منذ أكثر من نصف قرن. تستلزم فكرة الديمقراطية بالتأكيد فكرة العلمانية. لكن على شرط أن نحدد مضمون كل منهما. فلا ديمقراطية، أي لا مساواة في تحمل المسؤولية العمومية بين جميع أبناء الشعب، ولا مشاركة فعالة في تقرير المصير العام من قبل الجميع... من دون "علمانية"، أي ببساطة من دون قبول الأفراد بمبدأ الاحتكام للرأي أو العقل، في تقرير كل ما يتعلق بالشؤون العمومية، بما في ذلك في القوانين والتشريعات التي تحكم النظام السياسي. فإذا فرض فريق على المجتمع مبدأً آخر غير الرأي (أي الفكر القائم على الحجة العقلية) في معالجة الشؤون العمومية، لم تعد هناك ديمقراطية، وإنما نظام مرهون بالنصوص المقدسة التي يحتاج تفسيرها إلى تفاهم واتفاق مسبق بين جميع أصحاب العقيدة الدينية الواحدة. وهو أمر مستحيل لأن الاختلاف في التأويل هو جوهر الحياة الفكرية، وهو واقع الحال اليوم في كل مجتمعات العالم وجماعاته الدينية. ولا أعني هنا بالنصوص المقدسة الإلهية منها، ولكن المنزلة من قبل الحكام الذين يؤلهون أنفسهم أيضاً، حتى لو وسموها باسم العلمانية، كما حصل مع النظم الشيوعية. فقد كانت قوانينها توصف بالعلمية، أي التي لا تخطئ والتي لا يمكن أن يكون موقفنا إزاءها وإزاء منتجيها من العباقرة الأفذاذ، إلا موقف التسليم والإقتداء. ونستطيع قول الشيء نفسه تجاه بعض الترسيمات القومية التي يعتبرها أصحابها ثوابت يحرم التشكيك في صلاحيتها أو حتى طرحها للنقاش. لكن تأكيد هذا المبدأ أو التوقف عنده لا يحل المشكلة أبداً. ذلك أن الاستخدام السياسي، والتعبئة التي جرت خلال الصراعات الحزبية الطويلة، قد غيرا معنى العلمانية، بالمفهوم الذي ذكرته للتو، أي إنزال كل ما يتعلق بتنظيم المجتمع السياسي من قواعد ومؤسسات ومبادئ وقيم، إلى مستوى الرأي والنقاش والنقد. فأصبح بعض المدافعين عنها يطابقون بينها وبين نزع الدين من المجتمع أو السياسة بمعنى النشاط الاجتماعي اليومي، وأخذ البعض الآخر ينظر إليها في مواجهة الفريق الأول على أنها مرادفة للكفر والتخلي عن الدين وأي إيمان واعتقاد، أو على الأقل تحييد الدين من حيث هو التزام عقائدي وأخلاقي، عن الحياة العامة. هكذا صارت العلمانية سلاح أولئك الذين يريدون وضع حد لنفوذ الدين السماوي وما يرتبط به من تقاليد محافظة في المجتمع، وصار التشهير بها وتشويه معناها وربطها بالدعوة إلى نبذ الدين والأخلاق، سلاح أولئك الذين يريدون تطبيق الشريعة وإقامة السلطة العادلة والأخلاقية. وشيئاً فشيئاً تحولت إلى مصدر إضافي للنزاع والصدام وسوء الفهم والقطيعة داخل قطاعات الرأي العام بدل أن تكون إطاراً لتجاوز اختلافاتهم العقائدية، لا إلغائها، في سبيل توحيد كلمتهم وإرادتهم السياسية. وعمل تشويه معنى العلمانية وإفساد مضمونها ودلالاتها عبر هذه المعركة السياسية والاستخدامات الأداتية، على إساءة سمعتها، وقاد إلى تحييدها من النقاش السياسي، لتجنب النزاعات العقائدية الثانوية، والاحتفاظ بأمل توسيع قاعدة التفاهم بين الأطراف والتيارات الاجتماعية على اختلاف فلسفاتها، خاصة بعد فساد المصطلح واختلاط مدلولاته. وهو ما كانت الحركة الوطنية قد فعلته منذ بداية القرن التاسع عشر عندما رفعت شعار الدين لله والوطن للجميع، من دون أن تغامر بفتح النقاش النظري الضروري لتأصيل المصطلح وتأسيسه في الفكر والثقافة العربية الحديثين. فبقي لذلك عائماً ومائعاً من دون معنى واضح ولا مدلول دقيق، وبالتالي موضع نزاع مستمر. ليس هناك حل لهذا الاختلاط الهائل الذي ارتبط بمفهوم العلمانية وصبغ طريقة تعامل الأطراف السياسية المختلفة معه، وتحميله معاني متباينة ومتناقضة تكاد تقضي عليه... إلا بالعودة إلى الموضوع والقبول بفتح النقاش المعلق أو المؤجل منذ عقود حول العلمانية وإعادة تعريفها وتحديدها، في إطار بناء ثقافتنا السياسية الديمقراطية الجديدة المنشودة. فإذا حررنا معنى العلمانية من استهداف الدين السماوي خصوصاً، كما أوحت به أو نشرته بعض العقائديات الماركسية واليسارية والتحديثية عموماً، واستبعدنا التأويلات اللاإنسانية واللاأخلاقية التي درجت عليها ولا تزال بعض التيارات السلفية الإسلامية، لن يبقى منها سوى ما ذكرناه. أعني لن يكون للعلمانية معنى آخر مختلف عن معنى المدنية، بما تعنيه المدنية من أسبقية الاعتماد على الرأي، أي من إخضاع جميع القرارات والأحكام المتعلقة بالشؤون العامة للنقاش الحر والعقلاني بين ممثلي الشعب. والتأكيد على استخدام الرأي وإعمال الفكر في كل ما يتعلق بالشؤون العمومية، أي السياسية -والمجتمع الحديث هو مجتمع سياسي أساساً- لا يمكن أن تنفي الدين، ولا حق المتدينين في استلهام القيم الدينية عند صوغهم لآرائهم وأفكارهم السياسية. فليس هناك مبدأ سياسي أو اجتماعي يمكن أن يستبعد الدين أو أن يقرر استبعاده من أن يكون مورداً للأفكار والقيم التي تحرك المؤمنين وتوجه تفكيرهم وأعمالهم وسلوكهم. إن ما يستبعد هو فرض الرأي، سواء أكان مستلهَماً من الدين أو من العقل، على الآخرين، وعدم القبول بقاعدة سيطرة الأغلبية على الأقلية. لكن مع التأكيد على أن هذه السيطرة لا تعني سوى حق مؤقت سياسي، لا يصبح شرعياً إلا بقدر ما تضمن الأغلبية احترام رأي الأقلية، ولا تقوم بما يحرم هذه الأقلية نفسها من التحول، عن طريق النقاش والحوار والنشاطات السياسية والثقافية القانونية، إلى أغلبية سياسية. والخلاصة أن الديمقراطية لا تقوم من دون علمانية، لكن العلمانية لا تعني تبني عقيدة لا دينية ولا استبعاد الدين من الحياة العامة ولا تقييد الحريات الدينية. إنها تعني حياد الدولة ومؤسساتها تجاه الأديان والعقائد حتى تضمن المساواة الكاملة بين مواطنيها بصرف النظر عن اعتقاداتهم، وعدم انخراطها في النقاشات العقائدية والدينية، أو استخدام الدين للتغطية على اختياراتها وممارساتها السياسية، سواء أكانت هذه الاختيارات والممارسات سليمة وصائبة أم خاطئة وإشكالية.