فوضى عارمة في كل مكان, ولكنها فوضى ما هو جديد؛ هكذا قالوا لنا إنها "الفوضى الخلاقة". لا أفهم كيف للفوضى أن تكون خلاقة... قضية فلسفية, فعندما تتعقد الأمور وتتداخل الأوراق ويختلط الحابل بالنابل, لا يبقى أمامنا سوى "الفوضى الخلاقة" التي تهز كيان المجتمع, ولعلي بهذه الفوضى تعيد الوعي للمجتمع وتبدأ خيوط الأمل بالظهور لتخلصنا من تشابك الخيوط... "الفوضى الخلاقة" هي نظرية أميركية تؤمن بأن الفوضى تأتي بالجديد, والجديد يبنى على ركام الفوضى. في لبنان تعم الفوضى ولا نعرف إذا كانت خلاقة أم هدّامة تقود إلى المجهول ومن ثم يدخِلُنا المجهول في "الفوضى الخلاقة" التي تنقلنا بدورها إلى "الجديد" على الطريقة الأميركية. معارك بين "فتح الإسلام" والجيش اللبناني, وعندما ينتهي فصلها سندخل مرحلة جديدة, ربما "سيوف الإسلام" أو "جند الشام" أو "جند الله" أو "جند الصحراء"... وهكذا تتنوع الأسماء والهدف واحد... إنها "الفوضى الخلاقة". الرئيس الإيراني يعلن عن بدء أفول إسرائيل, وإعلانه هو نوع من "فوضى الكلام"، وهى اختراع جديد لـ"الفوضى الخلاقة" جاء به أشقاؤنا في إمبراطورية فارس... فليتهم ظهروا قبل الآن كي يوفروا علينا الوقت والدم والمال ويخلصونا من إسرائيل، لكنه الزمان الذي لم يكن معنا, فجاء متأخراً باختراع "فوضى الكلام"... وفي الخليج فوضى نفطية؛ إنها فوضى الثروة والرخاء، وهي فوضى جديدة تضاف إلى قاموس الفوضى الأميركي, إنها فوضى الرخاء التي تغمض عينيك وتغيب عنك الوعي, فهي فوضى تخلق لدينا الإيمان بأن كل شيء يمكن تحقيقه بالمال؛ ادفع هنا وادفع هناك والمال كفيل بالتعامل مع الفوضى أياً كان نوعها! في مصر, والحمد لله خرجت لدينا جمعيات الرفق بالحيوان وستتولى منع ذبح الحيوان بطريقة متخلفة وسنتعلم كيف يذبح الحيوان بطريقة حضارية... فالشكر لسيدة جمعيات الرفق بالحيوان "بريجيت باردو" حيث منحتنا الأمل من جديد في العثور على المفتاح السحري... الحمد لله لن يكون لدينا أطفال شوارع, وستنتهي مشكلة البطالة, وستقف معارك القضاء, وسينتهي مسلسل الدم الفاسد... إنها فوضى المشاعر, وهي فوضى جديدة تحول نظر الإنسان من أزماته الحقيقية إلى أزمات أكثر أهمية! في الكويت, فوضى جديدة, إنها "فوضى الديمقراطية", وهي خلاقة وعبثية, ولا نعرف كيف تلتقي الفوضى بالرغبة الخلاقة والعبثية في آن واحد... إنها فوضى تضاف إلى قاموس الفوضى الأميركي... أما العراق, فهو أم الفوضى بكل أشكالها... فالعراق سبقنا باختراع الأسماء, فكان لدينا "أم المعارك", واليوم لم نبتعد كثيراً عن تراث الفوضى... فأم الفوضى ستخلق لنا ديمقراطية جديدة, ديمقراطية الطوائف, وديمقراطية الأثنيات, وديمقراطية المذاهب الدينية, وديمقراطية القتال... إنها فوضى دخل فيها العراق منذ تحريره من قبضة فوضى أم المعارك لينتقل إلى "الفوضى الخلاقة"... فوضى في كل مكان, فوضى لم يعد ينفع معها سوى الفوضى, ولعل جامعة الدول العربية تدعو للقاء قمة جديدة تناقش فيه أنواع الفوضى، وتضع لنا رؤية جديدة للتعامل مع الفوضى, وربما تنجح في توحيد نوع الفوضى، كما وحدت الدول العربية في جامعتها! وتنهي فصل الأزمات الذي عجزت عقولنا عن حله. لغز الفوضى يتلاقى مع الحرب على الإرهاب, ويبدو أننا دخلنا عصر حروب الفوضى, ولعلها لا تطول لكي نبدأ مسيرة التقدم والتطور, ونعيد التوازن من جديد لمجتمعات كتب عليها أن تعيش فوضى بفوضى!