حين أشاهد القلاع والقصور واللوحات الفنية الأوروبية, أتساءل: أين قصور الخلافة العباسية؟ وأين الفنون الإسلامية المعبِّرة عن تلك الحضارة المسماة بالحضارة الإسلامية؟ وليس من قبيل المبالغة القول إن الحضارة الإسلامية لم يحصل لها الخلود إلا من خلال الكتب التاريخية, التي يستحيل التأكد من مدى مصداقيتها كوجود تاريخي, والسبب في ذلك يعود إلى الأخذ بقاعدة تحريم الرسم والتصوير لكل ما يعتقد أن فيه روحاً من بشر وطير وحيوان, بل وحتى الشجر. ولولا فن الخط لما عرفنا فناً للمسلمين. وإذا ما قبلنا تجاهل العصور الثلاثة الإسلامية الأولى, للفنون التصويرية, لقربها من البداوة والتشدد الديني، فلا مبرر لاستمرارية هذا الهجران الإسلامي للفنون في العصور التالية. والخلافة العباسية التي شهد عصرها الثاني قمة الحضارة لدار الإسلام, لم تنجُ بدورها من هذا التحريم الديني, وكانت النتيجة أننا اليوم لا نكاد نعرف شيئاً معاينة بالعين المجردة، عن أنواع الملابس وعادات الناس في المجتمع, وصور القاعات الفخمة للقصور التي وردت في الكتب. وبذلك يمكن القول إن ما يسمى بالحضارة الإسلامية, ليس سوى ذكرى, أو ظل باهت موصوف, لأصل غامض مجهول. هل يمكن القول إن غياب الفنون قد أدى إلى تلاشي الأصل من الذهنية الإسلامية, بحيث ما عاد الحديث عن هذه الذكرى ذا معنى؟ وبالمناسبة, غالباً لا يمكن الاعتماد على السمع أو كتابة الكلمات كبديل عن الرسم الواصف للشيء محل البحث. فالعين هي الحكم في مثل هذه الأمور, لأن الإنسان يصدق ما يراه، لا ما يسمعه. والعرب المعاصرون قرأوا عن الحضارة الإسلامية في كتب مدرسية غير نقدية, هدفها التلقين والتحفيظ بدون عقلانية, لغرض الإشادة والتمجيد اللفظي بما بناه الأوائل, لكن لا يعني بالضرورة أن هذه الحضارة هي كما يقولون فعلاً, ما دامت بدون شواهد مادية تراها العين ماثلة أمامها. ونحن نصدق بوجود الحضارة الغربية حين نشاهد قصر فرساي ونافوراته البديعة الدالة على عظمة الهندسة الفرنسية. وكذلك الأمر حين نشاهد كنيسة نوتردام على سبيل المثال لا الحصر, حيث نشاهد عياناً أعجوبة هندسية من خلال الأقواس المتزنة الجميلة, ويسري هذا الأمر على جميع الدول الأوروبية دون استثناء, كما نستدل على عظمة هذه الحضارة حين نشاهد اللوحات الفنية المختلفة, والتي تجعلنا نشاهد عياناً تطور فن الملابس لدى هذه الشعوب مثلاً. ومن خلال اللوحات الفنية نعرف ملوكهم الأول, وكيف كانوا في الصحة والمرض, ونتعرف أيضاً من خلال اللوحات على تاريخ السلالات المالكة, ورسوم الحروب المختلفة, وغير ذلك من حوادث عصفت بتلك المجتمعات على مختلف العصور. وفي مقابل هذه المعلومات الموثقة رسماً ونحتاً، لا شيء لدى العرب المسلمين للتدليل على وجود حضارة ما, في يوم ما. صحيح أن صورها موجودة في بطون الكتب, لكن كيف يمكننا التأكد من صحة وجودها فعلاً على أرض الواقع؟ فالكلمات تذكر لنا دون رؤية بالعين المجردة, أنه كانت هناك ثمة حضارة يقال عنها, حضارة إسلامية. لكن كيف كانت الناس تعيش، وما هي أدوات المعيشة, ومن هم الملوك الذين حكموا تلك الحضارة, وما هي صورهم, وكيف كانت المساجد والقصور... الخ. كل هذه التساؤلات لا تجد لها إجابات مقنعة لدى قارئ هذه الحضارة. لست أقول إنها ليست موجودة, بلى، لقد كانت موجودة, ولكننا لا نعرف أشكالها, ولا صورها, ولا رسومها. فهي كالأشباح حيث لا صورة ولا ظل... وكل هذا البؤس الثقافي سببه تحريم لم يرد في كتاب الله!!