لم يكن اجتماع السفيرين الأميركي والإيراني في العراق في السابع والعشرين من الشهر الماضي بحضور وزير الخارجية العراقي مفاجئاً لأحد من المهتمين بالشأن العراقي أو السياسة الخارجية الإيرانية أو نظيرتها الأميركية، فالإدارة الأميركية تورطت في غزو العراق في ظل حسابات خاطئة. ربما لم يكتشف المسؤولون الأميركيون هذه الورطة منذ البداية، أو لعلهم اكتشفوها مبكراً لكنهم لم يدركوا حجمها، لكن السنة الرابعة للاحتلال كانت حاسمة بالتأكيد، فقد بدأت الإدارة الأميركية تتخذ مبادرات في الساحتين الداخلية الأميركية والخارجية الإقليمية والعالمية كان واضحاً منها أن إحساسها بالورطة بات مؤكداً. في الداخل مثلاً شكل الرئيس الأميركي لجنة "بيكر- هاملتون" لكي تعكف على دراسة الوضع في العراق وتقترح بدائل للخروج المشرِّف منه، وفي الخارج بدأت الإدارة الأميركية تتخلى بوضوح عن احتكار المسألة العراقية وتقبل مشاركة إقليمية وعالمية بهدف أن يساعدها ذلك على الخروج من المأزق. ومع أن تقرير "بيكر- هاملتون" تضمن توصيات واضحة منها ضرورة الاتصال بالقوى الإقليمية ذات الصلة بالوضع في العراق حتى وإن كان ثمة خلاف أو حتى عداء بينها وبين الولايات المتحدة وبالذات إيران وسوريا، فقد ثابر الرئيس الأميركي حيناً على موقفه المتشدد من الدولتين، وخرج على العالم بخطته التي أثارت الدهشة لاستنادها إلى أفكار ساذجة وآليات عقيمة لابد أن يكون مصيرها الفشل، ثم فرض عمق الورطة وتشابكها في العراق على الرئيس الأميركي لاحقاً أن يستجيب لهذا التوجه، فقبل المشاركة الأميركية في مؤتمر دولي إقليمي تحضره إيران وسوريا في العاشر من مارس الماضي في بغداد على المستوى دون الوزاري، ثم قبل الأمر نفسه في مؤتمر شرم الشيخ الذي عقد على المستوى الوزاري بمشاركة إيرانية وسورية أيضاً، وها هي الإدارة الأميركية تقبل اجتماع سفيرها في بغداد مع سفير معسكر الشر لكي يتباحثا في مستقبل العراق. صحيح أن الإدارة الأميركية حرصت على عدم إراقة مزيد من ماء وجهها بتأكيد أن اللقاء لن يتناول شيئاً غير العراق حتى تزيل شبهة إبرام صفقات مع إيران، وصحيح كذلك أن الإدارة نفسها حرصت على أن تظهر وكأن إيران تحضر اللقاء لمجرد تلقي الأوامر بشأن ضرورة وقف دعمها لـ"الميليشيات" التي تقاوم الوجود العسكري الأميركي في العراق، لكن دلالة اللقاء تبقى غير خافية. وبالمقابل فإن المتابع للسياسة الإيرانية لم يرَ أية مفاجأة في اللقاء، فهذه السياسة تتسم على الرغم من نبرتها الأيديولوجية الزاعقة في كثير من الأحيان بطابع مغرق في واقعيته وعمليته. لقد رفضت السياسة الإيرانية الاحتلال الأميركي للعراق باللسان، لكنها راحت تبذل كل ما في وسعها للاستفادة من هذا الاحتلال وتخبطه، ولم تبدِ في سلوكها العملي في أي وقت من الأوقات إصراراً على أولوية الانسحاب الأميركي من العراق، وتعاملت بدأب مع العملية السياسية التي دشنها الاحتلال كي تسفر عن حكومة موالية لها، وقد كان. وأصبح على رأس الائتلاف الحاكم في العراق أصدقاء إيران المقربون، وإذا كان مؤتمر شرم الشيخ قد حمل ما حمله من مؤشرات بالغة الوضوح على هذه السياسة الإيرانية، فلننظر الآن فيما سبق هذا اللقاء وأحاط به من مؤشرات. لنأخذ المسائل من قمتها فنمعن النظر فيما صرح به المرشد الأعلى للجمهورية الإيرانية بخصوص هذا اللقاء. يقول المرشد إن المحادثات ستهدف إلى تذكير الأميركيين "بواجبهم كمحتلين"، وإن "الولايات المتحدة لا تلتزم بواجبها كقوة احتلال من أجل إعادة الأمن إلى العراق". وليس أكثر من مثل هذا القول الصادر عن أعلى مرجعية إيرانية دلالة على طبيعة السياسة الإيرانية، فالمشكلة إذن ليست في الاحتلال في حد ذاته وإنما في أن هذا الاحتلال "لا يقوم بواجبه" في إعادة الأمن إلى العراق، وعلى الرغم من أن منصب المرشد وشاغله يستحقان كل احترام بغض النظر عن الخلاف مع السياسة الإيرانية فإن هذا الاحترام لا يتعارض مع ضرورة إخضاع تصريحات المرشد الأعلى للمناقشة النقدية. من الواضح أولاً أن التصريحات لا تظهر حرصاً على وضع نهاية سريعة للاحتلال، ولا حتى جدول زمني لهذا الغرض، ويعني هذا أن السياسة الإيرانية تريد من قوات الاحتلال أن تعيد الأمن للعراق أولاً، هكذا دون حدود زمنية. كما يعني ثانياً أن السياسة الإيرانية لا تدرك -أو لعلها تدرك ولكنها تظهر غير ذلك- أن السبب الرئيسي في الإخلال بالأمن في العراق هو واقعة الاحتلال ذاته، وهو ما يفتح الباب لأسئلة كثيرة حول الموقف الإيراني الفعلي من بقاء الاحتلال في العراق: هل تريده حقاً أن يسلم لها عراقاً مستقراً آمناً كي يسهل عليها التأثير فيه؟ أم تريده -أي الاحتلال- رهينة دون حدود زمنية كي يمكن لها أن تشدد الضغط عليه لاحقاً إن فكرت الإدارة الأميركية بتصعيد عسكري ضد إيران؟ أياً كانت الإجابة فإن الأمر المتيقن أن السياسة الإيرانية في اجتماع السابع والعشرين من الشهر الماضي لم تتبن موقفاً مطالباً بإنهاء الاحتلال أو حتى بوضع جدول زمني لذلك. أما السياسة العراقية فقد كانت توجهاتها منطقية. هي أقرب إلى موقف الوسيط بين "صديقين" لها، ودوافعها في هذا أن العراق يمكن أن يتحمل بمزيد من التكلفة لو اختلف صديقاها وتصارعا، وإن لم يخل الأمر من تصريحات تبعث على الدهشة من قبل مسؤولين عراقيين رفيعي المستوى، كما في القول مثلاً بأن "جمع الأميركيين والإيرانيين يجري في إطار خطة لإزالة النفوذ الأجنبي أياً كان"! لاشك أنه يمكن القول بأن الاجتماع كان بأحد المعايير ناجحاً من وجهة نظر طرفيه. صحيح أن الجانب الإيراني لم يقدم إجابات مقنعة لكل التساؤلات التي تقدم بها الأميركيون، وأن طلبه تشكيل لجنة أمنية ثلاثية أميركية- إيرانية- عراقية لم يحظ بقبول من الجانب الأميركي إلا أن السفيرين اتفقا على أن محادثاتهما التي دامت أربع ساعات في بغداد كانت إيجابية، وأن هناك تطابقاً وصفه السفير الأميركي بأنه "جيد جداً" في كل القضايا مثل دعم عراق مستقر (وليس مستقلاً) وديمقراطي وفيدرالي يسيطر على أمنه ويعيش في سلام مع جيرانه، وأكد السفيران أنهما سيعقدان محادثات أخرى خلال أقل من شهر. لا يبدو منطق الذين يتحدثون عن صفقة محتملة بين إيران والولايات المتحدة مجافياً للواقع إذن، فالملف الإيراني- الأميركي متشعب الأبعاد، ومن الممكن بسهولة عمل صفقات تحوي تنازلات متبادلة في هذا البعد أو ذاك، ويبقى الهاجس المؤلم عن التأثير العربي في مستقبل العراق، فهل كان يمكن لأحد أن يتصور أن يترك العرب شعب العراق فريسة إما لاحتلال أميركي أو نفوذ إيراني على هذا النحو؟ لقد حكمت الدول العربية على نفسها بهذا التهميش حين اختارت منذ وقوع الاحتلال أن تتكيَّف معه، وأن تجلس ممثل الحكومة التي أنشئت في ظله على مقعد العراق في جامعة الدول العربية في سبتمبر 2003، وأن تعتبر العملية السياسية التي دشنها الاحتلال في العراق سبيلاً لخروجه من ورطته، وهكذا انقطعت صلة السياسة العربية بكل القطاعات التي تعارض الاحتلال معارضة جذرية سواء بالسياسة أو السلاح، وتآكلت القدرة العربية على التأثير في مستقبل العراق كما يتضح من مآل مبادرة الجامعة العربية في نهاية 2005، والتي لم تفض -على الرغم من الجهود الدبلوماسية الهائلة التي بذلها الأمين العام- إلى عقد مؤتمر الوفاق الوطني الذي كان موعده قد تحدد في بدايات 2006 ثم تأجل إلى حوالي منتصفه ثم توقف الحديث عنه تماماً فيما يعقد السفيران الأميركي والإيراني في بغداد اجتماعاً للبحث في مستقبل العراق وموضع مصالحهما من هذا المستقبل، فهل تفيق السياسة العربية قبل فوات الأوان أم أن الشعب العراقي قد كتب عليه أن يطحن وحده بين شقي الرحى الأميركية- الإيرانية؟