تُفيدُ سِجِلات وقائع العراق بأن البلاد غدت ساحةً لأطراف عديدة جَعلتها أسيرةً في دائرة من الصراعات السياسية والاقتصادية والأمنية المتضاربة، فكل الأطراف في البيت العراقي تلعبُ بأمنه واستقراره ومستقبله، وتعتَقدُ جازمةً أنها تملكُ زمامَ أمره في حلقة الصراع على المصالح. وإذا كان هذا ظنها فها هي واشنطن تخسر الورقة العراقية وتفشل في تحويل العراق إلى نموذج ديمقراطي يمكنُ تعميمه في الشرق الأوسط، نموذج بات يتلاشى، بل مات بسبب عدم الاستقرار والأمن. لقد استحال العراق رقعةً تَسْرح فيها جماعاتٌ وقوى داخليةٌ مختلفةُ المشارب وأخرى إقليمية ودولية، وأخذت ساحته تطفح بسجال الغريمتين طهران وواشنطن. والواضح أن هذه الأخيرة لم تستطع حسم الموقف عسكرياً وسياسياً ولا كسر الشوكة الإيرانية فعصفت ببلاد الرافدين فوضى لم تكن يوماً خَلاقَة. وفي خضم هذا الصراع، أخذت واشنطن تبلور محاورَ تَفَاهُم مع إيران على أساس نفوذها في العراق على المستوى الحكومي وغير الحكومي، إلى جانب ما تتمتع به من علاقة وثيقة بسوريا بهدف التمكين للاستقرار والأمن في العراق ولو بشكل نسبي. وقد تراوح صدى هذا التقارب بين ارتياح الحكومة العراقية وبين تشدد الأطراف غير الحكومية وتنديدها بإيران والولايات المتحدة. أما في إيران، فقد تأرجحت المواقف بين "المحافظين" و"الإصلاحيين" الذين يرون بألا تفتح القيادةُ الإيرانية قنواتِ اتصال مع واشنطن، وبين براجماتية "المحافظين" الذين كانوا أصلاً يعارضون هذا التوجُّه عندما كان "الإصلاحيون" في الحكم. ولكن هذا التقاربَ لا ينطوي على أية رابطة بين الملف النووي وبين الوضع العراقي في ما يمكن أن يكون عملية مقايضةٍ بين الطرفين. والدليلُ القاطع هو هذا الحشد العسكري وإطلاق عنان وكالة الاستخبارات الأميركية لزعزعة النظام الإيراني، إلى جانب استخدام مجلس الأمن وسَيْر الدول الغربية في فلك واشنطن وإحجام روسيا والصين عن التصادم مع التوجه الغربي الرافض للتوجه النووي الإيراني. ومن ثم فإن تصور فكرة حصول إيران على التكنولوجيا النووية مقابلَ الأمن النسبي في العراق، يقودُ حتماً إلى خلق سابقة لدولٍ أخرى في الحصول على التكنولوجيا النووية بعملياتِ مقايضةٍ أمنية أو غيرها، لاسيما الأنظمة "اليسارية" الراغبة في تقويض المنظومة الرأسمالية والتفرد الأميركي في العالم. أما الفيصلُ في نفي إمكانية حدوث مقايضةٍ فهو الوضع الذي آل إليه العراق حيث فقدت الأطراف المتصارعة على أرضه السيطرة عليه، فلم يعد هناك مجال للمقايضة بين الملفين. وبالإضافة إلى كل هذه الأطراف الفاعلة، من "محافظين" خارج السلطة وأطراف القاعدة وشيعة وقوميين وقوات كردية، تأتي الحدود الطويلة بين العراق والدول المجاورة لتَعكِس واقعاً من التأثير والتأثُّر في الإطار المذهبي والقومي، والسياسي أيضاً في إطار ما يجري في الساحة العراقية. فتلك الجماعات المتصارعة تملك أدوات إدارة الصراع والتصادم من قوة بشرية ومادية وإطار عقائدي مُعادٍ في غالبه للتواجد الأميركي بالمنطقة، وفي العراق بشكل خاص. وليس أدل على ذلك من استعداد تلك الأطراف لجعل الرقعة الأميركية في المنطقة تتسع إذا ما أصبحت هناك مواجهة أميركية إيرانية. ويجب ألا يغيب عنا أن ما يجري من حشود تركية شمال العراق لتوجيه ضربة إلى الأكراد بسبب متطلبات الأمن القومي التركي هناك، يأتي في سياق صراع الأطراف الإقليمية، فبروز الأكراد ككيان إقليمي فاعل يمكن أن يمتد ليشمل دول الجوار العراقي لتزيد في اتساع رقعة الشطرنج. إذن، إن الحوار الأميركي- الإيراني يحمل مكاسب جزئية للطرفين، سياسية واقتصادية وأمنية، وليست له علاقة بالملف النووي. وإذا كانت إيران تستطيع إحداث تغيير جزئي في أمن العراق في الجنوب وغيره، فإنها تستطيع متى شاءت قلب الطاولة العراقية على الولايات المتحدة. فمما لاشك فيه أن الوضع المتردي في العراق والمتوتر في لبنان وفلسطين وموقف سوريا، وتورط واشنطن في أفغانستان وغصة كوريا الشمالية في حلق الإدارة الأميركية قد يُساعد إيران على تحقيق فُتُوح في التكنولوجيا النووية. لقد دخلت إيران لعبة تجيدُها، وإذا كانت أبعادها بسيطة إلا أنها مهمّة مثل احتجاز أميركيين من أصل إيراني بتهمة التجسس للضغط من أجل الإفراج عن الدبلوماسيين الإيرانيين في العراق. لقد كسب النظام الإيراني نوعاً من الاعتراف بشرعيته لمجرد اللقاء الذي يأتي للتعرف على ما يمكن التفاوض عليه وما يمكن كسبهُ. وتعلمُ إيران جيداً أن العراق أضحى في يد أطراف متعددة ومتضاربة، لذا فهي تدرك وضع الولايات المتحدة في العراق والمنطقة. وفي المقابل لا تستطيع أميركا مقايضة أمن العراق جزئياً بملف نووي خليقٍ بقلب الموازين السياسية والإستراتيجية في الخليج والشرق الأوسط. وليس من الدقة القول إن الولايات المتحدة وإيران تتصارعان وحدهما على طاولة "البلياردو" العراقية والإقليمية، فهذه الطاولة لا تمثل أطراف اللعبة في الشرق الأوسط فقط، بل هناك فاعلون من دول الجوار وغيرها والجماعات العقائدية والقومية المتعددة بل هناك مراقبون مهمون كروسيا التي ترفض أحادية النظام الدولي والصين التي تراقبُ وتتحرك ببطء. ويتزايد الضغط على واشنطن بسبب الأعباء السياسية والعسكرية والاقتصادية في الحفاظ على الأمن والسلم في أقاليم متعددة. وآخر التخبط السياسي والاستراتيجي الأميركي كان في تسرب خطة تتعلق بإمكانية تطبيق النموذج الكوري الجنوبي في الجنوب العراقي، إذ ليس هناك ما يوحي بأي تشابه، فكل مناطق العراق تحمل مقومات عدم الاستقرار والأمن. وعلى هذا الأساس تنتظر الدول الكبرى إعادة توزيع الأدوار السياسية والأمنية لاستعادة المكاسب الاقتصادية في النظام الدولي، وهو ما ترى أنه يحفظ الأمن والسلم بصورة أقوى. بقيت الإشارة إلى أن مجرد اللقاء بين طهران وواشنطن حول طاولة البلياردو قد يعني الاتفاق على أشياء تحت هذه الطاولة، اللهمّ إلا إذا انقلبت في بيت العنكبوت العراقي الواهن... ولكم أن تتصوروا حجم الفوضى يومذاك.