من بين الافتراضات المنتشرة على نطاق واسع والمميزة للنقاش الدائر حول الهجرة، وقد يكون الافتراض الأكثر استئثاراً بالاهتمام، هو ما يتم تداوله حول المهاجرين غير الشرعيين وضرورة إبقائهم خارج الحدود لحماية الأمن الداخلي الأميركي. والواقع أن هذا الافتراض خاطئ تماماً ليس فقط لأن العمال الذين لا يتوفرون على الوثائق القانونية هم أقل إقداماً، حسب الإحصاءات، على ارتكاب الجرائم مقاربة مع نظرائهم من الأميركيين، أو لأنهم أقل اهتماماً بتعاليم "القاعدة" ولا يلقون لها بالاً، بل لأن التركيز على المهاجرين غير الشرعيين وربطهم بحماية الأمن الداخلي يخرق القاعدة الأساسية للقيام بذلك بطريقة ذكية. ويبدأ الأسلوب الذكي في حماية الأمن الداخلي بالإقرار أولاً أنه من المستحيل حماية كل شيء. فالحكومة الفيدرالية تنفق لوحدها أكثر من 58 مليار دولار في السنة على الأمن الداخلي، وهو مبلغ يفوق مجمل موازنة الدفاع البريطانية، كما أنه أكثر بثلاث مرات من مستوى الإنفاق قبل 2001. وبالطبع ساهم الإنفاق على الأمن الداخلي في تكريس بعض المكاسب المهمة مثل تزويد الطائرات بحرس خاص، وتعزيز متانة قمرات القيادة في الطائرات وغيرها من الإجراءات الضرورية. لكن الولايات المتحدة تتوفر على نصف مليون جسر و500 ناطحة سحاب، و2800 محطة لتوليد الطاقة، فضلاً عن آلاف المدارس، والمراكز التجارية، ومحطات القطارات وغيرها، بحيث سيكون من الصعب إحاطة تلك المرافق جميعاً بحماية مطلقة وتأمينها ضد هجمات محتملة. لذا تكمن مسألة الحماية برمتها في تحديد الأولويات والتركيز على توفير الأمن لها. وفي هذا الإطار لابد من الإشارة إلى مدرستين في التفكير تطغيان على الساحة الأمنية دون أن تدعوا إلى التضييق على المهاجرين غير الشرعيين، أو اعتبارهم مصدر التهديد الأول. تقول المدرسة الأولى بضرورة تركيز الانتباه على تلك الهجمات التي يمكن أن تتسبب في دمار واسع مثل استهداف المحطات الكيماوية في المراكز الحضرية القادرة على إطلاق الغازات المميتة. أما المدرسة الثانية فتدعو إلى التركيز على الهجمات الأكثر احتمالاً، مثل الاهتمام أكثر بالطائرات التي أظهر تنظيم "القاعدة" تحمساً ظاهراً للاعتماد عليها في تنفيذ هجماته. لذا يعتبر إنفاق 9.16 دولار على تأمين المسافر الواحد في الطائرات مقابل 6 سنتات على المسافر في المواصلات البرية، أمراً منطقياً يتعين تعزيزه والعمل به. لكن هناك دائماً أفكاراً أخرى واقتراحات غالباً ما تخرج عن إطار المدرستين وتخط لنفسها طريقاً خاصاً في ضمان الأمن الداخلي. فخلال العام الماضي مثلاً تبين أن وزارة الأمن الداخلي تحتفظ بسجل من المرافق التي تحظى بأولوية الحماية تشمل إحدى الحدائق العامة في ولاية ألباما، ومهرجاناً زراعياً في جورجيا، فضلاً عن مرافق أخرى ثانوية. والأكثر من ذلك أن برنامج الوزارة لتوزيع المنح على المدن الأميركية لمواجهة الأخطار المحتملة يبدو كنكتة سمجة، حيث قطعت الوزارة في 2006 الدعم عن مدن كبرى مثل واشنطن ونيويورك لصالح مدن صغرى مثل "أوماها" و"لويسفيل". ولحسن الحظ أن هذه التصرفات بدأت تلفت اهتمام السياسيين لما تنطوي عليه من عبثية واضحة. فقد طرح كل من السيناتور "باراك أوباما" وزميلته "هيلاري كلينتون" مشروع قانون مشترك يقضي بصرف الاعتمادات المالية للولايات والمدن على نحو أكثر عقلانية. وهذا ما يقودنا إلى مسألة قانون الهجرة المطروح في الكونجرس ويدفعنا إلى التساؤل عن سبب صمت "هيلاري" و"أوباما" عن المقترحات الداعية إلى التركيز على المهاجرين في حفظ الأمن الداخلي ما داموا فعلاً يحرصون على صرف الاعتمادات المالية وتوجيهها إلى الأماكن التي تستحقها. فكما أشارت إلى ذلك افتتاحية صحيفة "واشنطن بوست" ينص مشروع قانون الهجرة على قيام وزارة الأمن الداخلي بتوظيف وتدريب، ثم نشر ما بين خمسة إلى ستة آلاف من الحرس على الحدود، بالإضافة إلى توظيف الآلاف من الموظفين لتسجيل المهاجرين ورفع بصماتهم، وبناء 370 ميلاً من الحواجز على امتداد الحدود الأميركية- المكسيكية. والحقيقة أن المهاجرين إنما يفضلون القدوم إلى الولايات المتحدة لأنهم يحبون هذا المكان ويبحثون عن مورد رزق يقيم أودهم، لكن دون أن يعني ذلك عدم وجود أعداء يتربصون بنا الدوائر. ولئن كان الكونجرس مُصراً على إقامة الحواجز فالأجدر أن يقيمها حول الأماكن الحساسة بالقرب من الجسور للحيولة دون وصول الإرهابيين إليها. فقد أشار "ستيفين فلين" مسؤول حرس السواحل السابق أن سفينة ضخمة محملة بالغاز الطبيعي تصل كل أسبوع إلى ميناء بوسطن، وأنه بإحداث ثقب في جانبها عبر تفجير قارب، أو ما شابه قد تحدث كارثة حقيقية. وليس ذلك صعباً على "القاعدة" التي سبق وأن هاجمت بالطريقة نفسها سفينة أميركية بالقرب من السواحل اليمنية قبل سبعة أعوام. ولعله من بين الملامح المقلقة التي تميز المرحلة الراهنة هو غياب الرابط الأخلاقي بين الجنود الأميركيين الذين يغامرون بحياتهم في الخارج، وبين أولوياتنا الداخلية. ففي الحروب السابقة التي انخرطت فيها الولايات المتحدة كان الأميركيون في الداخل يحرصون على إبراز روح التضحية ولو رمزياً، حيث تقبلوا رفع الضرائب، وتصالحوا مع فكرة استدعاء أحد أفراد العائلة للتجنيد. لكن هذه المرة تغيب ضريبة الحرب، ولا يوجد تجنيد إجباري، أو حتى قناعة لدى الأميركيين بأنه يتعين عليهم التساؤل عن متع الحياة العادية التي ينغمسون فيها خلال أوقات السلم حتى في الوقت الذي تصرفنا فيه تلك المتع الحياتية عن التركيز على الأشخاص الذين يتوقون إلى قتلنا. سابستيان مالابي كاتب ومحلل سياسي أميركي ينشر بترتيب خاص مع خدمة "لوس أنجلوس تايمز وواشنطن"